أرسل لي صديقٌ مقرّب صورةً من ألبومه الخاص؛ صورةً لي مع رفقاء الصبا أثناء دراستنا الجامعية؛ لقطةٌ جمعتنا قبل مباراة كرة قدم، وكان ذلك في أحد ملاعب الإسكندرية في منتصف السبعينات من القرن الماضي. لقطةٌ في صورةٍ بدت كأنها تجميدٌ لماضٍ ما زال حيّاً في نفوسنا.

دفعتني هذه الصورة إلى التفكير، وجعلتني أكتب لرفاقي كلمات مودة؛ كلمات بدأتُها بسؤالٍ تحت الصورة القديمة، سؤالٍ أشارك به قرّائي الأعزاء علّهم يتمسكون برفاق صباهم الذين لا يمكن تعويضهم. من هو الخاسر في دنيانا في هذه الصور؟

كان هذا هو السؤال، أمّا جوابه فقد نبع من إحساسٍ دافئ حملته لي تلك الصورة.

الخاسر فينا هو من شغلته الدنيا عن رفقاء دربه، فلم يعد يسأل عنهم أو يتواصل معهم. إنها خسارةٌ عظيمة لا يعادلها ما كسبه من مالٍ بانشغاله، ولا ما ناله من مجدٍ بتغيّر رفقاء دربه. ولعلّ ذاك الخاسر، حين ينتهي مشوار دنياه ويمرّ عليه شريط حياته، لن يجد أمام عينيه إلا ومضات الصبا والقلوب الصافية النقية، مع أصحابٍ خسرهم ولم يكسب غيرهم.

فرفاق الصبا لا يُعوَّضون، والتمسّك بهم كالتشبّث بطوق نجاةٍ من عثرات الدنيا وإحباطاتها. وقد لا يملك قليلو المال من رفاق الصبا ما تحتاجه وقت الحاجة، وقد لا يستطيعون توصيةً ترفع من مقامك في دنياك، لكن الجلوس معهم راحة، والاستماع إليهم منفعة، والقرب منهم دواء.

وما وجدت النفس راحتها، ولا عرفت الروح سكونها، إلا بالقرب من رفاقٍ عاشروك في صباك، وعرفوك في حزنك وفرحك، وتحملوك في غضبك، وطربوا معك في أنسك. أصحابٌ إذا غيّب الموتُ أحدهم تشعر أن جزءاً من كيانك قد ذهب معه، وتبقى ذكراه حاضرةً كأنه ما زال جالساً معكم.

إنها ثروة الدنيا وحبل الآخرة؛ نعمةٌ عظيمة، ربح من ربحها، وخسر من خسرها.