لم يعد سوق توصيل الطلبات مجرد خدمة مساندة، بل تحوّل إلى أحد أسرع القطاعات الرقمية نمواً في الاقتصاد العالمي، مدفوعاً بتغيّر أنماط الاستهلاك وتوسع الاعتماد على التطبيقات الذكية. ففي عام 2024 بلغ حجم السوق عالمياً نحو 289 مليار دولار، مع توقعات بتجاوزه 500 مليار دولار بحلول عام 2030.

وعلى مستوى الخليج العربي، يتجه السوق إلى نمو متسارع، ليرتفع من 3.9 مليار دولار إلى أكثر من 11 مليار دولار خلال الفترة نفسها، بينما يواصل السوق الكويتي ترسيخ مكانته بسوق تُقدَّر قيمته بنحو 880 مليون دولار في عام 2024، مع نمو مستقر يعكس نضج التجربة وارتفاع الطلب المحلي بمعدل نمو سنوي يقارب 6 في المئة.

في بداية الأمر، شخصياً، كنت أضحك على الأشخاص الذين يعتمدون على تطبيقات التوصيل، وذكرت ذلك للأخ محمد جعفر، بوخالد، الذي ساهم في نقل هذه الفكرة العبقرية التي وضع أسسها في الكويت خالد العتيبي، إلى العالمية، بأنني كنت أتصفح قائمة المطاعم عبر التطبيق، ثم أتواصل مع المطعم المناسب بشكل مباشر.

إلا أن ما جذبني لاستخدام هذه التطبيقات قبل أكثر من عشر سنوات هو أن جزءاً من قيمة الفاتورة — في تلك الفترة، أبا محمد جعفر — كان يذهب كصدقة لجهات خيرية، وهو أمر لا شك أنه مبهر وملهم ويستحق المشاركة، فاجتمع فيه قضاء الحاجة وباب الأجر.

ومع الاستخدام، يتبرمج المستهلك على خدمات التطبيق، حيث يكون لديه أرشيف محفوظ لاختياراته السابقة؛ فإذا كان هناك طلب أعجبه سابقاً، لا يحتاج إلى إعادة كتابته من جديد، بل يكرره مباشرة من الأرشيف، إضافة إلى العروض والخصومات.

ولا شك أن سوق توصيل الطلبات اليوم سهّل على الناس وأصحاب المطاعم الكثير من الجهد والوقت والمال، فبعض المشاريع لا يتحمل تكاليف التوصيل من سيارات وسائقين، وقد وفّرت عليها شركات التوصيل هذه الأعباء. كما حمت أصحاب المطاعم من تقلبات السوق، ففي مواسم معينة قد يحتاج المطعم إلى 15 سائقاً، وفي أوقات أخرى لا يحتاج إلى أكثر من 5. ولنا في أزمة كورونا موعظة، حين أصابت هذا السوق كوارث مالية أدت إلى إفلاس وإغلاق العديد من المشاريع الناشئة.

وفي المقابل، يعاني أصحاب المشاريع المشاركون في تطبيقات التوصيل في الكويت من ارتفاع نسبة حصة شركات التوصيل مقارنة بدول الخليج ودول العالم، إضافة إلى الرسوم الجانبية الأخرى التي تفرضها بعض التطبيقات، والتي تُلزم أصحاب المطاعم بدفع رسوم على التصفح، والإعلانات الخاصة داخل التطبيق، وحتى على تقييم المطعم.

ومن هنا، لا بد من مراجعة اللقاء الموجود على منصة يوتيوب ضمن بودكاست «غمد» مع صاحب تجربة مميزة في هذا المجال، رجل الأعمال الكويتي بدر سعد شرار، حيث استعرض صراعه مع شركات التوصيل المحلية، وتجربته المشابهة مع تطبيقات التوصيل في دول الخليج العربي. وقد عرض المشكلة وطرح الحلول، التي اختصرها في تجربة دولة قطر بتنظيم عمل شركات التوصيل عبر توحيد نسبة العمولة على الجميع، والاكتفاء بتقديم خدمة التوصيل دون فرض رسوم إعلانية، على أن تعتمد خوارزميات البحث في الترشيح على قرب موقع مقدم الطلب، وليس على معايير أخرى.

مع التأكيد على أهمية تكويت الوظائف الإدارية والفنية المتاحة في هذا القطاع.

Malmoasharji@gmail.com