كتب قبل فترة وجيزة الزميل الدكتور فلاح الهاجري، رئيس جمعية أعضاء هيئة التدريس السابق والعضو الحالي فيها مقالاً مثيراً بعنوان «لجنة القبول المركزي... بيروقراطية إدارية وإهدار للمال العام» في جريدة «القبس» بتاريخ 4 فبراير 2024م، وقد تناول فيها مسألة في غاية الأهمية تتعلق بموضوعين، الأول: يختص بقبول الطلبة في الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، والثاني: يتعلق بمنهجية التعامل مع القبول.

لقد شرح الدكتور الهاجري وفق رؤية نقدية موضوعية ذهاب البعض إلى وضع لجنة القبول المركزي في مؤسسات التعليم العالي؛ وقد بيّن عدم استقامة منهجية وجود لجنة أو هيكل إداري جديد مع مسألة قبول الطلبة التي تطل برأسها كل سنة وكأنها إشكالية جديدة!

في مقاله النقدي الجدير بالقراءة والتمعن هناك العديد من المحطات التي يتعين التوقف عندها؛ مثل عدم دعوة المختص لعضوية اللجنة إلا بعد أن تبين خلل عدم وجوده لكونه عارفاً بالمعلومات الرقمية وما يحيط بها من متغيرات ومؤشرات! فهل كانت عدم دعوته في بداية تشكيل اللجنة قد سقطت سهواً أم عمداً؟! إن في ذلك مبحثاً! كما أنَّ مبدأ تشكيل اللجنة والفكرة المحورية التي دعت إليها لا تخلو من «أسباب» تدعو للتفكير في احتمالية محاولة البعض ليبسط سلطته على مفاصل التعليم عبر تشكيل هياكل إدارية جديدة، وهنا يكون حديث طويل ذو شجون.

لا نتهم أحداً، فالنوايا قد تكون نوايا سليمة، لكن التاريخ علَّمَنا بأن التعليم قد انحدر منذ أن بسطت قوى التعليم النافذة سطوتها على مفاصل السلطة البيروقراطية والإدارية في مؤسسات التعليم.

الخطير في هذه القوى أنها جمعت تياراً سياسياً مع نخبة رأسمالية لتشكيل تحالفٍ لتبادل المصالح على حساب المسار التعليمي السليم. فالتيار السياسي يحاول بسط هيمنته الفكرية عبر وسائل التمكين لكي يتحكم بالنشء والتيار الرأسمالي يسعى للتربح من خلال «سلعنة التعليم»!

لا ندعي ذلك جزافاً، وإنما استناداً إلى ما وثَّقه الدكتور محمد المهيني في كتابيه: «الإدارة الجامعية» الصادر في سنة 1984م، وكتاب «قضايا تربوية» الصادر في سنة 1978م. هذه القوى لديها أدواتها ووسائلها التي قد تجعل البعض يتصور بأن تكوين هكذا هياكل إدارية وغيرها في صالح التعليم لكن الحقيقة تتجسد في أنها تسعى إلى وضع التعليم تحت مركزية محكمة لكي تتمكن من القرارات التي تصب في صالحها.

ما ندعو له ليس بغرض توجيه أي اتهام لأحد، وإنما لتواتر الحديث عن هذه القوى التعليمية ونظراً لتدهور مستوى ومخرجات التعليم تزامناً مع سطوة هذه النخب، أعتقد بأن متخذ القرار وخصوصاً الأخ الوزير عليه أن يتحقق من ذلك استناداً إلى وقائع تاريخية متسلسلة خصوصاً في ضوء تبوؤ البعض لمناصب كثيرة وتبادلها بينهم على حساب الكفاءة والعدالة خلال العشرين سنة الماضية حيث بدأت وتيرة ضعف أداء المؤسسات التعليمية وتعاظم مصالح النخب السياسية والتجارية التي استفادت من هذا الوضع التعليمي.

وأخيراً، إن ما كتبه الدكتور الهاجري لا يتعلق بلجنة بعينها وإنما سلط الضوء عليها تحسباً أن تخضع لمعادلات لا تصب في صالح العملية التعليمية.

إن هدف هياكل ولجان ومجالس... لن يعالج الوضع التعليمي، بل إن لم يكن مدروساً بشكل محايد وموضوعي فستكون انعكاساته سلبية.

لقد شُكِّلت العديد من اللجان من الجامعة ومن المؤسسات ذات الصلة بالتعليم ومن السلطة التشريعية وغيرها من المجتمعات المدنية ووضعت العشرات إن لم تكن المئات من التقارير، ولكن معظمها تُرك على الرفوف تَلْحَفُهُ الأَغْبِرَة.

وما نستدعي الانتباه له هو التقرير الذي وضعته إحدى اللجان المكلفة من اللجنة التعليمية والذي انتهى إلى أن أكثر الأسباب التي دعت لتدهور التعليم تكمن في تسييسه، وهذا هو بيت القصيد في مقالة الدكتور فلاح محمد الهاجري.