خواطر صعلوك

نضرب مطارات الخليج لأن القواعد الأميركية مخيفة!

تصغير
تكبير

نصل اليوم، يا عزيزي القارئ، إلى محطتنا الأخيرة في هذه الرحلة. وكما اعتدنا أن نردد في مقالاتنا الثلاثة السابقة: عندما كنت صغيراً، استغربت كيف تورطت بعض نخبنا العربية في تأييد غزو الكويت، ولما كبرت تجدد استغرابي من جيل آخر ورث هذا «العطب» ليبرر سحق السوريين... واليوم أقف مذهولاً أمام طابور جديد ينساق كالمنوّم مغناطيسياً خلف السردية الإيرانية ضد أمن الخليج.

هنا، في مقالنا الرابع، نضع اللمسات الأخيرة لتفكيك هذا العقل النخبوي المصاب بمتلازمة «الانخداع الطوعي».

يبدو أن عجلة التيه لا تتوقف عن الدوران، لتفرز لنا اليوم الفصل الثالث والأكثر «سريالية» في مسرحية الانخداع الأيديولوجي. يتجلى هذا الفصل في انبهار شريحة واسعة من المحللين بالسردية الإيرانية، وتبريرهم المستميت لاستهدافها الممنهج لأمن الخليج العربي. فمنذ عام 1979، وإيران تعتمد في تمددها الإقليمي على توظيف «براغماتي» حاد ومكشوف للقضية الفلسطينية وشعارات معاداة الإمبريالية، لا لشيء إلا لاختراق المجتمعات العربية وبناء شبكة من الميليشيات الولائية التي تخدم، حصراً، مصالح طهران القومية البحتة.

لكن المفارقة الجغرافية والعسكرية هنا تصيب العقل التحليلي بدوار البحر، وتطرح سؤالاً منطقياً ينسف هذه السردية من جذورها:

إذا كانت إيران وميليشياتها تخوض صراعاً «وجودياً ومقدساً» ضد الإمبريالية الأميركية، وإذا كان معلوماً وموثقاً بالخرائط أن الولايات المتحدة تمتلك شبكة واسعة من القواعد العسكرية المحصنة، ليس في الخليج فحسب، بل في جميع الدول المحيطة بإيران من جهاتها الأربع... فلماذا تتجنب الصواريخ والمسيّرات الإيرانية هذه القواعد المكتظة بالجنود الأميركان بعناية فائقة، وكأنها تخشى أن توقظهم من قيلولتهم؟!

لماذا تُصاب بوصلة هذه الصواريخ بـ «الحول» المفاجئ، لتنحرف دائماً وتستهدف الأعيان المدنية البحتة؟ فجأة، يصبح «الجهاد» موجهاً نحو مطارات مدنية خليجية تعج بالمسافرين، ومنشآت طاقة حيوية، ومحطات تحلية مياه، وشركات بتروكيماويات، وناقلات نفط تعبر المضيق!

إن التحليل السياسي الواقعي –الذي لا يتعاطى حبوب الهلوسة الأيديولوجية– يؤكد أن الهدف الحقيقي ليس «ردع أميركا» كما يُشاع، بل هو إكراه اقتصادي شامل، وحرب نفسية ممنهجة لزعزعة استقرار المجتمعات الخليجية. هي محاولة خبيثة لدق إسفين بين الشعوب الخليجية وحكوماتها، عبر الترويج لابتزاز رخيص مفاده: «القواعد الأميركية هي سبب استهدافكم... فتخلوا عنها لننعم نحن بابتلاعكم بهدوء».

ورغم هذا الوضوح الفاضح في «بنك الأهداف» الإيراني الذي يمس حياة ومقومات ملايين المدنيين، تخرج علينا العينات نفسها من المثقفين والمحللين (أيتام صدام ومبرري الأسد) ليمارسوا أقبح أنواع الانفصام الأخلاقي.

تراهم يهتفون كالمشجعين المتعصبين في المدرجات لأي صاروخ أعمى يُطلق، معتبرين إياه انتصاراً إستراتيجياً على طريق تحرير القدس! لا يرف لهم جفن إزاء قطرة دم تسيل من مواطن خليجي، ولا يبالون بتهديد أمن الأسر والعوائل، ولا بتدمير مصادر الطاقة التي تمثل عصب التنمية في هذه المنطقة.

لقد سقط هؤلاء في بئر «صنمية الأيديولوجيا»، معتبرين أن الدولة الوطنية الخليجية المستقرة والمزدهرة هي مجرد «كيان زائد» يجوز التضحية به وحرقه، كقربان رخيص لصالح مشاريع توسعية عابرة للحدود.

اليوم، وبعد هذه الرحلة الطويلة في تتبع هذا العطب النخبوي، أستطيع أن أقول لك بقلب مطمئن: لقد زال استغرابي تماماً.

أيقنت أخيراً أن هذه النخب العربية المأزومة لا تحتاج إلى حوارات فكرية ولا إلى مراكز أبحاث لتنويرها، بل تحتاج وبشكل عاجل إلى «علاج نفسي» مكثف... علاج ينتشلها من مستنقع الحقد والقهر وعقدة النقص المتراكمة لديها طوال السبعين عاماً الماضية.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي