رقي

حين يُصبح الوعي وطناً...

تصغير
تكبير

الوطن، في جوهره منظومة متكاملة من القيم والعلاقات والالتزامات التي تتشكّل عبر الزمن. هو كيانٌ سيادي تُصان به الكرامة، وتُحفظ فيه الحقوق، وتُبنى فيه الهوية الجامعة التي تتجاوز كل الانتماءات الفرعية.

وفي مثل هذه اللحظات التي تمر بها المنطقة، لا يُختبر الوطن بقدر ما يُختبر وعي أبنائه. إذ لا يكمن التحدي الحقيقي في الحدث ذاته، بل في كيفية استيعابه والتفاعل معه. فالأحداث بطبيعتها عابرة، أما الأثر الذي تتركه في بنية المجتمع، فهو ما يصنع الفارق.

إن وحدة الصف ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية تتجلى في الكلمة قبل الموقف، وفي ضبط النفس قبل ردّ الفعل، وفي تقديم المصلحة العامة ومصلحة البلاد، على أي اعتبار آخر.

وفي هذا السياق، يأتي التذكير الإلهي واضحاً جلياً:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ليؤكد أن الاجتماع ليس خياراً ظرفياً، بل أصلٌ من أصول الاستقرار، وأن الفرقة ليست مجرد اختلاف، بل مدخلٌ لاضطرابٍ أوسع.

لقد قامت الأوطان عبر التاريخ لا على تشابه أبنائها، بل على قدرتهم على التعايش ضمن إطارٍ جامع، يعلو فوق التفاصيل، ويحتضن الاختلاف دون أن يسمح له بأن يتحوّل إلى انقسام. ويجمعهم حب الوطن والإخلاص له وللقيادة السياسية.

ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة تستدعي مراجعة هادئة للفكرة قبل تبنّيها، وللكلمة قبل نشرها. فليس كل ما يُقال يُعبّر عن وعي، وليس كل ما يُتداول يستحق أن يُنقل.

إن تبنّي الأفكار السليمة التي تخدم الوطن ليس مجرد خيارٍ فكري، بل هو مسؤولية تُسهم في تعزيز استقرار المجتمع، وترسيخ الثقة بين أفراده، وتقوية الجبهة الداخلية التي تُعدّ خط الدفاع الأول في مواجهة أي تحدٍّ.

والكويت... لم تميّز يوماً بين أبنائها في الحقوق والواجبات، ولم تُقصِ أحداً عن فرصها أو كرامتها، لا تستحق إلا وفاءً يليق بعطائها.

الكويت، عبر تاريخها، لم تكن دولة انتقائية في احتضانها لأبنائها، بل قامت على مبدأ المساواة في المواطنة، حيث اجتمع الجميع تحت مظلة قانونٍ واحد، وفرصٍ متكافئة، وشعورٍ جامع بأن هذا الوطن للجميع دون استثناء.

ومن هنا، فإن أي إخلالٍ بعهد الوفاء والانتماء للكويت أو انحرافٍ عن هذا الانتماء، لا يُقرأ بوصفه موقفاً عابراً، بل كخللٍ في فهم معنى الوطن ذاته والتخلي عن كل القيم والمبادئ!. فالوطن الذي أعطى، واحتضن، وصان الكرامة، لا يُقابل إلّا بالثبات على عهده، ولا يُردّ عطاؤه إلا بصدق الانتماء له.

إن الوفاء للوطن ليس خياراً يُتخذ عند الرخاء ويُراجع عند الشدّة، بل هو قيمة ثابتة لا تتجزأ، لأن الأوطان لا تُقاس بما تقدّمه فقط، بل بما يُحفظ لها في ضمير أبنائها من إخلاصٍ وولاء.

وإن من أعظم صور الانتماء أن يُدرك الإنسان أن الوطن هو الأصل الذي يبدأ منه، والمرجع الذي يعود إليه.

فنحن من الوطن نبدأ... وإليه ننتهي.

به نكبر، وفيه نتعلم، ومن خيراته نعيش، وتحت رايته نأمن.

ولذلك، فإن الوفاء للوطن ليس مجرد شعور، بل التزام يتجلى في احترامه، وصون وحدته، والحرص على استقراره، والعمل على كل ما يعزّز مكانته. فالأوطان لا تقوم إلا بمحبة أبنائها، ولا تستمر إلا بإخلاصهم، ولا تُحمى إلا بوعيهم.

وفي أوقات التحديات، تتمايز الأفكار كما تتمايز المواقف. فيظهر الفكر الرصين الذي يُدرك حجم المسؤولية.

إن ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الضجيج، بل مزيد من الإدراك.

فالوطن، في نهاية المطاف، ليس ساحةً لتصفية الآراء، بل مساحة لصناعة الوعي. ولا تُقاس قوته بعدد الأصوات، بل بمدى انسجامها واتجاهها نحو هدفٍ واحد وهو تعزيز الوحدة الوطنية والحفاظ على وحدة الصف والالتفاف حول القيادة السياسية.

وفي ختام هذا المشهد، تبقى الحقيقة الأهم أن الأوطان تُحفظ وتُصان بوعي أبنائها واجتماعهم على قلب واحد! لا يختلفون على أساسها، ولا يتنازعون على مصلحتها.

فالالتفاف حول الوطن وقيادته في أوقات التحديات ليس خياراً يُناقش، بل واجبٌ تمليه المسؤولية، وتفرضه الحكمة، وتؤكده التجربة.

فالكويت، كما كانت دائماً، أقوى بوحدتها، وأثبت بوعي أهلها، وأبقى حين يكون الانتماء لها صادقاً... لا يعلوه شيء.

اللهم احفظ الكويت بعينك التي لا تنام، وادم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأيّد قيادتها بتوفيقك، وسدّد خطاها لما فيه خير البلاد والعباد.

اللهم ألّف بين قلوب أهلها، واجعل وحدتهم قوةً وسياجاً لا يُخترق، واصرف عنها كل سوء وفتنة، ما ظهر منها وما بطن.

اللهم اجعل هذا الوطن دار عزٍ وأمان، واحفظه من كل مَنْ أراد به شراً، واكتب له البقاء آمناً مستقراً.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي