لا تنتمي كلمةُ رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي الأخيرة في مجلس الوزراء إلى المفردات السياسية العربية وخصوصاً في الوضع الراهن.

كانت مرتبطةً بالرؤيةِ أكثر من انتمائها إلى الواقع المفخَّخ في العراق.

وإذا كان توصيفُ الراحل محمد حسنين هيكل لحُكْم رجال الدين في إيران بأنه «رصاصة انطلقت من القرن السابع واستقرّت في قلب القرن العشرين»، فإن توصيفَ كلمة الكاظمي بأنها درع القرن الواحد والعشرين لإنقاذ العراق من الهبوط المتدرّج إلى قرون سابقة... قد يكون توصيفاً عادلاً رغم المبالغة في رمزيةِ الزمن.

باختصارٍ، خسر العراق، وجيرانُه، والعرب، والعالم النهجَ الذي مثّله مصطفى الكاظمي.

نهجٌ غير دعائي وغير إعلامي، مبنيٌّ على جملة وقائع تم اختبارُها بالعمل والتضحيات التي وصلتْ حدَّ خسارةِ خيرة شباب العراق وكادت تطاله شخصياً من خلال 3 محاولات اغتيال معلَنة ومثلها غير معلَن.

وصل الرجلُ إلى رئاسة الوزراء بمنطقِ الضرورةِ والحاجةِ بعدما اشتعلتْ كلُّ المدن والمناطق العراقية بحالة غليانٍ شعبي ضد الفساد، وضد الانتقاص من السيادة، وانتشار السلاح وزحْف الميليشيات والدويلات على الدولة، وضد إمعان الطبقة السياسية في إفقار الدولة والناس، وضدّ كواتم الصوت ورصاص القنّاصين التي فتكتْ بشباب الثورة وقياداتها.

لم يكن طريقُه مفروشاً بالورود رغم الزخم الشعبي والقبول الإقليمي والدولي له، بل كانت الآمالُ المعقودةُ على الرجل مسكونةً دائماً بكوابيس انتصار الدولة العميقة على الدولة الحديثة التي أرادها، وتحدّث عنها في خطابه الأخير مُسْتَلْهِماً تجارب النمور الآسيوية التي لا تملك من ثروات النفط والغاز شيئاً.

محاربةُ الفساد تتطلب تطهيرَ إدارةٍ محشوةٍ بالمحاصصة الحزبية حيث الولاءُ لمرجعية التعيين لا للدولة.

محاسبةُ الفاسدين تتطلب رفعَ الغطاءِ الإقليمي عنهم وعدم المزْج بين شخصيةِ الفاسد وجماهيريّته الطائفية... والأهمّ عدم وجود حواجز قضائية تحول دون المضيّ في هذه المحاسبة.

الاستقرارُ الأمني يتطلّب بَسْطَ سلطةِ الدولة، والدولة وحدها، على الأرض العراقية كلها.

الاستقرارُ الاقتصادي يتطلب أيضاً بَسْطَ سلطةِ الدولة، والدولة وحدها بقطاعيْها العام والخاص، على مقدّراتها وعدم مشاركة أحد لها في إدارة الثروة.

الاستقرارُ الاجتماعي يتطلب اقترابَ الدولة من الناس وهمومهم وحاجاتهم وتطلّعاتهم، لا ترْك هذه الوظيفة لتجّار الطوائف لتحريك مَجاميع بائسة ومُحْبَطة عند الضرورات السياسية.

استقرارُ العلاقات الخارجية يتطلب عودةَ العراق أولاً إلى هويته العربية ومحيطه الطبيعي، وقيامَ أفضل علاقاتِ التعاونِ المبني على المصالح الاقتصادية والتنموية، ورفْض تحوّل البلاد صندوقَ بريدٍ ينقل التهديدات والتفجيرات إلى هذه الدولة أو تلك.

هذه العناوين وغيرها شكّلتْ برنامجَ عملِ الكاظمي، ولَكُم أن تتخيّلوا كم يتناقض كلُّ حرفٍ فيها مع «الدولة العميقة» التي تمّ تركيبُها في العراق على مدى 15 عاماً بعد سقوط النظام السابق.

دولةٌ مُوازِيَةٌ لها جيْشها الخاص وشرطتها الخاصة وفِرَق الاغتيالات الجاهزة والمدرَّبة. دولةٌ لها أجندتها الخاصة سياسياً وأمنياً، ولها مرجعيتها الخاصة وتدين لها بالسَمَع والطاعة، وعندها خططها ومشاريعها وأهدافها وأهمّها أن تكون الدويلةُ أضعفَ من الدولة عبر تَقاسُمِ المناصب والإدارات بين قوى الأمر الواقع وما يستتبعُه من تَقاسُمٍ للغنائم، فيصبح ولاء الموظف والمدير والوكيل والوزير لمَن عيّنه لا للدولة... ويبقى ولاء مَن عيّنه للمرجعيات السياسية أو الدينية التي فَرَضَتْهُ في هذا المنصب وجلُّها خارج الحدود.

دولةٌ مُوازِيَةٌ تريد رَبْطَ إيقاعِ علاقات العراق الخارجية عربياً ودولياً بساعةِ الضبْط الإيرانية، وكم من مثالٍ يُستحضر عند تَرافُق كل قمةٍ مصغَّرة أو موسَّعة أو زيارةٍ أو لقاءاتِ تَعاوُنٍ تستضيفها بغداد مع عملياتِ تهديدٍ وتحركاتٍ ميليشيوية على الأرض إما للتشويش وإما للتعطيل.

وكم مِن تَعَهُّدٍ قامتْ به حكومةُ الكاظمي مع دولِ الجوار والخليج تحديداً تَلاهُ استعراضٌ صاروخي أو تهديدٌ حدودي أو إطلاقُ مسيَّرات بأسماء حزبية معروفة الهوية والمرجعية.

مصطفى الكاظمي الذي تكلّم في خطابه بلغةِ الأرقام والوقائع هو الأقدر طبعاً على توصيف مرحلة رئاسته للحكومة وما تخلّلها من إنجازاتٍ اقتصادية رغم التحديات المهولة، وما شهدتْه من تَقارُبٍ عربي وعالمي مع عراق مختلف واعد.

لكنه بالتأكيد يضع مصلحةَ العراق والعراقيين أولويةً في كل خطوةٍ، حتى في صمْته وصبْره.

وكم كانت عبارته عن التقصير في تسويق الإنجازات بليغةً «لأننا لم نعتمد على المال الفاسد لصناعة جيوش إلكترونية، وأنا لا أؤمن بها وأؤمن بأن في السياسة يجب أن يكون هناك حد أدنى من صِفات الفرسان والقِيَم الأخلاقية، لأننا نعمل من أجل الشعب وليس من أجل أجندات حزبية أو مذهبية أو إثنية».

تحدّث الكاظمي عن العناوين بثقةِ المُنْحازِ للدولة والناس، تارِكاً التفاصيل لأوقاتها، رغم أن غالبية العراقيين تعرف مَن تَعامَلَ مع المنصب كوظيفةٍ وطنية لخدمتهم ومَن تعامل مع المنصب كوظيفةٍ لخدمة أجندة إقليمية... ومازال حتى البارحة يهدد دولَ الخليج بتخريبها، غير آبِهٍ بأن خرابَ العراق الكبير حصل في عهده.

لم يكن خطاب الكاظمي وَداعياً لأن ما ورد فيه معبرٌ إلزامي للعبور إلى مستقبلٍ أفضل للعراق الذي يكفيه ما عانى من تجارب واختبارات.

المهم أن تتعمّم صفاتُ الفرسان أكثر داخل الطبقة السياسية وأن تسمو القِيَمُ الأخلاقية على ممارسة السلطة وأن يتغلّب الانحيازُ للعراق كوطنٍ على عراق الأحزاب والمَذاهب والإثنيات.