اقرأ ما يلي...

عروس متجولة في حرب

تصغير
تكبير

قبل الثامن والعشرين من فبراير الماضي، كنا نتبادل الرسائل أنا ومجموعة من الصديقات من مختلف أنحاء الوطن العربي، تتحدث كل واحدة منا عن ملامح الأجواء الرمضانية في بلدها. وفي خضم تلك الأحاديث الدافئة، كانت صديقتي نادين، القادمة من لبنان، تستعد للسفر إلى العراق لإنهاء أوراق زواجها من شاب عراقي. كانت تنتظر تلك اللحظة بلهفة ممزوجة بالحب، وكأنها تعويض متأخر عن سنوات ثقيلة مرت بها روحها.

غير أن الواقع كان أكثر قسوة، فإجراءات الزواج التي تتطلب تدقيقاً أمنياً مشدداً اصطدمت باندلاع الحرب، لتتعقد الأمور أكثر مما كانت عليه. انتهت إقامة نادين، وأصبحت ملزمة بمغادرة الأراضي العراقية فوراً.

ومع غياب الرحلات الجوية، حاولت السفر براً إلى الأردن، إلا أن القصف الذي طال الأراضي الأردنية حال دون ذلك. وفي الوقت ذاته، لم يعد لبنان ملاذاً آمناً، إذ طاله القصف الإسرائيلي، وفقدت نادين بيتها هناك. قالت لي يومها، بوجع لا يُنسى: «ليتني قبّلت حيطان المنزل قبل رحيلي من لبنان».

اليوم، تتجه نادين إلى الأردن لقضاء بضعة أيام في منزل صديقة أردنية، في انتظار فرصة للعودة إلى العراق من جديد. فإجراءات الزواج لم تُستكمل بعد، بل ازدادت تعقيداً وصعوبة. أخبرتني نادين أنها عاشت عمرها على إيقاع الحروب، وأن زواجها كان بالنسبة لها بوابة أخيرة للتغيير الإيجابي والاستقرار. لكن حتى رحلة الزواج لم تنجُ من الحرب.

أصبحت تفكر بالهجرة، كما يفعل كثير من العرب الذين لم يجدوا في أوطانهم أمناً أو استقراراً، وراودهم حلم تأسيس أسرة آمنة، وأطفال لا يكبرون على مشاهد الدمار والدم، ولا يعرفون الخوف كجزء من تفاصيل يومهم.

ورغم المشاحنات السياسية المستمرة في المنطقة، إلا أن الشعوب بقيت على تواصلها الإنساني. تسأل عن بعضها، تطمئن على بعضها، وترفع أكف الدعاء علّ الله يخفف عنهم وطأة الحرب ونتائجها. هؤلاء الناس يختلفون تماماً عن الصور الصاخبة التي تروجها وسائل التواصل الاجتماعي؛ إنهم أكثر رحمة، وأكثر قرباً من بعضهم، يضمدون جراح بعضهم بالدعاء، وبالكلمة الطيبة، وبالاهتمام الصادق.

كُتب على نادين، أن تكون حياتها مزدحمة بالأحداث السياسية والحروب، رغم أنها لم تكن يوماً طرفاً فيها، لا من قريب ولا من بعيد. أُجبرت على عيشها وتحمل تبعاتها، لكنها مع ذلك لم تفقد قدرتها على الحلم. لقيت الحب في بلد آخر لا يختلف سياسياً كثيراً عن بلدها، إلا أنها حاولت أن ترى الجانب المشرق من الحياة. كانت تحلم بزفافها وهي ترتدي الأبيض، مبتسمة بيننا، حريصة على أن نكون معها في كل تفاصيل الفرحة. خططت لشهر عسل لا يُنسى، يحمل لها بداية جديدة خالية من الخوف.

أما أنا، فكنت أخطط بدوري لاغتنام فرصة حضور زفافها لاكتشاف جمال لبنان. تخيلت نفسي أجمع الخضراوات من الحديقة، أو كما يسميها اللبنانيون «الجنينة»، وأحضّر التبولة كما علّمني أصدقائي هناك. حلمت بزيارة شلالات جزين، وبأن أستريح بين صوت انهمار المياه من العلو، وأشعة الشمس التي تحوّل رذاذ الماء إلى دفء منعش للبشرة، فيما يملأ الشجر الأخضر الأنفاس نقاءً وحباً.

نحن نؤمن بأن ليس من الضروري أن تتحقق أحلامنا كما نرسمها. أحياناً، تقف الحرب حائلاً دون ذلك. حرب لا تدور بين بلدين فقط، بل تتداخل فيها أكثر من عشرين دولة، بين قاصف، ومدافع وداعم ووسيط. فوضى غير معقولة، تترافق مع تصريحات مستفزة من أطراف أساسية في الصراع، وتصرفات عدائية من بعض الميليشيات الموالية لإيران، بلغ تهورها حد اقتحام القنصلية الكويتية في العراق.

لم تؤدِ الهدنة إلى نتائج إيجابية ملموسة، في ظل استمرار إيران في التحرش بدول الخليج، متذرعة بأن الاتفاقية محصورة بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية. وبحجة أن إسرائيل تقصف جنوب لبنان، تُوجّه إيران نيرانها نحو الخليج بدلاً من مواجهة عدوها الإسرائيلي مباشرة وإنقاذ لبنان من أنيابه.

ومن يتابع التناقض القائم بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، يدرك حجم المناورات السياسية التي تُدار على حساب اقتصادات الشرق الأوسط، وتأخير تطوره، واستنزاف شعوبه، وشراء الوقت على حساب دماء الأبرياء وانهيار الاقتصاد الشرق أوسطي...

أشعر بالعار وأنا أتابع تصريحات طائشة وردوداً مستفزة، تُلقي بالخسائر البشرية والمادية جانباً. أسأل الله أن يخفف عنّا مصابنا، وأن يحمينا من الأعداء، وفي مقدمتهم العدو الإيراني، وأن يحفظ الشعوب البريئة من براثن الحرب ووحشيتها.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي