لمن يسأل لماذا حقق المغرب كلّ تلك النتائج الباهرة في كأس العالم لكرة القدم، يوجد جواب واحد. لا شيء يحدث بالصدفة. ليست تلك النتائج سوى جزء لا يتجزّأ من منظومة متكاملة مرتبطة بالسياسة والاقتصاد والإصلاحات على كلّ صعيد. يشمل ذلك في طبيعة الحال إقامة بنية تحتية متطورة في مستوى أي بلد أوروبي متقدم.
لا يمكن عزل أداء فريق كرة القدم في كأس العالم الذي تستضيف مبارياته الولايات المتحدة وكندا والمكسيك عن تلك المنظومة المتكاملة التي تشمل أيضا مشاريع كبيرة مرتبطة بالعلاقة القائمة بين المغرب ودول القارة الأفريقية. من بين هذه المشاريع خط أنابيب الغاز الذي ينطلق من نيجيريا.
تشكل تلك المنظومة تجسيداً لخطة شنّ حرب على الفقر وضعها الملك محمّد السادس. جعل الحرب على الفقر من بين أولوياته. إنّ هذه الحرب على الفقر تشكل في المغرب حرباً على التطرّف الديني بكل أشكاله وعلى الإرهاب.
ما حققه فريق كرة القدم المغربي تعبير آخر عن الروح الوطنية التي تربط بين المغاربة من جهة وبينهم وبين المؤسسة الملكية من جهة أخرى، بل إنّّه تعبير عن رؤية عبّر عنها دائما الملك محمّد السادس الذي قال منذ صعوده إلى العرش في العام 1999: «لئن كان المرحوم (والدي) قد رصّع اسم بلاده في الخرائط الدولية، فإنّ همّ خليفته أن يرصّع اسم المغرب في قلب كلّ مواطن مغربي».
هناك ما هو أبعد من نجاحات يحققها فريق كرة القدم المغربي، هناك بلد استطاع بناء نفسه من منطلق الرهان على ثروة الإنسان أوّلا في ظلّ رؤية شاملة تشمل المغرب نفسه ومحيطه، بما في ذلك قربه من أوروبا.
من هذا المنطلق، لا يمكن الفصل بين النتائج التي يحققها الفريق الوطني لكرة القدم من جهة والنهضة التي يشهدها المغرب من جهة أخرى. الذي يريد التأكد من ذلك، يستطيع زيارة الرباط أو أي مدينة مغربيّة كي يتحقق بنفسه من وجود بلد استثنائي اسمه المغرب. إنّّه بلد يمتلك جذوراً راسخة في التاريخ بدليل أنّّه كان أول دولة تعترف بالولايات المتحدة بعد استقلالها قبل 250 عاماً.
مع اقتراب موعد «عيد العرش» في الثلاثين من يوليو الجاري، من المفيد العودة إلى ما تحقق في الشهور القليلة الماضية، خصوصاً في مجال تكريس سيادة المغرب على أقاليمه الصحراوية.
صدر القرار الرقم 2797 عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. كان ذلك في 31 أكتوبر 2025. صار ذلك اليوم عيداً وطنياً وتتويجاً لنضال استمر 50 عاماً من أجل استعادة المغرب أقاليمه الصحراوية.
بعد 27 عاماً على اعتلاء محمّد السادس العرش خلفاً لوالده الذي امتلك عبقرية إطلاق «المسيرة الخضراء» في نوفمبر 1975، توجد محطات عدّة يمكن التوقف عندها في مسيرة طويلة أدت إلى ما تحقّق على الأرض وصولاً إلى القرار 2797. يبدأ كلّ شيء بصمود المغرب في حرب استنزاف شنّت عليه بواسطة أداة اسمها «بوليساريو».
لم يصمد المغرب في وجه ما تعرض له من اعتداءات، بل بادر دائماً إلى الدفاع عن حقوقه. لم تفارق المغرب يوماً الرغبة في إيجاد تسويات مع الجار الجزائري المصرّ على استمرار إغلاق الحدود بين البلدين منذ العام 1994.
المهمّ أن القافلة المغربيّة تتقدّم من دون كلل أو ملل. لا يتعلّق الأمر بما تحقق على صعيد ملفّ الصحراء خصوصاً بعد الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء في نهاية الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب. يتعلّق الأمر أيضاً بربط المغرب نفسه بأوروبا وبأفريقيا في آن. بات المغرب يلعب دوراً محورياً على الصعيدين الأوروبي والأفريقي وفي مجال الربط بين القارة العجوز والقارة السمراء.
من اللافت أن الإدارة الديمقراطيّة (إدارة جو بايدن) التي خلفت إدارة ترامب الأولى تمسكت بالإعتراف الأميركي بمغربية الصحراء. كذلك فعلت أوروبا التي لعب رئيسها إيمانويل ماكرون دوراً محورياً في جعل القارة العجوز تسير على خطى الولايات المتحدة التي لم تكن بعيدة عن الموقف الخليجي الذي لم يتردّد يوماً في دعم المغرب في ما يخص صحرائه.
بات الوجود في الصحراء المغربيّة، أكان ذلك في العيون أو الداخلة، حاجة لكلّ دولة تريد الاستثمار في المستقبل بعيداً عن عقد الماضي والشعارات الفارغة.
مرّة أخرى، لا شيء يحدث بالصدفة. ليست كرة القدم بعيدة عن منظومة متكاملة في بلد يعرف إلى أين هو ذاهب في كلّ مجال من المجالات، من الإصلاحات السياسية التي وردت في دستور 2011، إلى حقوق المرأة التي انصفها محمّد السادس، إلى نتاج الطاقة النظيفة، إلى الاختراق الأفريقي الذي جعل من المغرب يمتلك علاقات مميزة مع معظم دول القارة السمراء، خصوصاً بعدما صار ميناء الداخلة في الصحراء واجهة لأفريقيا على المحيط الأطلسي.
يبقى الأهم من ذلك كلّه أنّ المغرب لا يخجل من وجود عيوب في مجالات معيّنة، مثل الطبابة والتعليم. عندما سُجّلت احتجاجات شعبية في هذين المجالين، سارعت السلطة إلى إيجاد حلول بدل التعامي عن الحقيقة. في النهاية، لا عقد مغربية من أي نوع. كلّ ما يدور في البلد يصبّ في اتجاه تحقيق حلم كلّ مغربي في العيش في سلام وأمان.
والمشاركة مع اسبانيا والبرتغال في استضافة كأس العالم في 2030!
من كان يتخيّل يوماً أن المغرب سيشارك في تنظيم كأس العالم لكرة القدم في 2030. كان ذلك حلماً تحوّل إلى حقيقة تجسدها إنجازات على أرض الواقع. تكفي رحلة في القطار السريع (البرّاق) بين الدار البيضاء وطنجة أو بين الرباط وطنجة للتأكّد من ذلك ومن أن المغرب دولة حديثة تتقدم في ظلّ عين ساهرة ورؤية واضحة لمحمّد السادس، الملك الذي يعرف ماذا يريد وإلى أين تتجه بلاده.