تتزايد في الآونة الأخيرة توقعات عدد من البنوك الأميركية بإمكانية تراجع أسعار النفط إلى حدود 60 دولاراً للبرميل مع نهاية العام الحالي، مستندة إلى توقعات بارتفاع فائض المعروض النفطي عالمياً، في مقابل نمو أبطأ للطلب.

ويأتي ذلك بعد موجة هبوط تدريجية في الأسعار، إذ انخفض سعر برميل النفط من مستويات تجاوزت 123 دولاراً إلى نحو 71 دولاراً للبرميل عند إغلاق تداولات يوم الجمعة الماضية.

ويمثل هذا الانخفاض تحدياً كبيراً لمعظم الدول المصدرة للنفط، لا سيما تلك التي تعتمد موازناتها العامة بصورة رئيسية على الإيرادات النفطية. فاستمرار الأسعار عند مستويات منخفضة، أو هبوطها إلى 60 دولاراً، قد يؤدي إلى اتساع العجز المالي، خاصة بعد فترة تعطل صادرات النفط عبر مضيق هرمز لأكثر من شهرين، وهو ما تسبب في تراجع التدفقات النقدية والسيولة المالية لدى عدد من الدول المنتجة، بما فيها إيران، التي كانت من أكثر المتأثرين بإغلاق المضيق، لتتحمل بدورها جانباً من التداعيات الاقتصادية للأزمة.

وفي حال استمرار الضغوط على الإيرادات النفطية، ستجد العديد من الحكومات نفسها أمام خيارات اقتصادية صعبة، من أبرزها اللجوء إلى الاقتراض من الأسواق والمؤسسات المالية العالمية، أو بيع جزء من أصولها واستثماراتها الخارجية، أو المزج بين الخيارين بهدف توفير السيولة اللازمة لتمويل العجز المالي. غير أن التساؤلات الجوهرية تبقى قائمة: ما حجم التمويل المطلوب؟ وهل سيقتصر على تغطية احتياجات السنة المالية الحالية، أم سيمتد إلى السنوات المقبلة؟ وهل توجد مؤشرات حقيقية على تعافي أسعار النفط في المستقبل المنظور؟

وتشير المعطيات الحالية إلى استمرار الضغوط على السوق النفطية مع توقعات بزيادة الإنتاج من داخل منظمة أوبك وخارجها. ويبلغ الإنتاج العالمي حالياً نحو 85 مليون برميل يومياً، فيما تنتج دول أوبك قرابة 19.5 مليون برميل يومياً، ويرتفع إنتاج تحالف (أوبك+) إلى نحو 33.5 مليون برميل يومياً. كما رفعت دول عدة إنتاجها خلال الشهر الماضي، من بينها الكويت وإيران، الأمر الذي أسهم في زيادة المعروض العالمي والضغط على الأسعار.

ويرى بعض المحللين أن انخفاض أسعار النفط ينسجم أيضاً مع توجهات الإدارة الأميركية الرامية إلى تخفيض أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، بما ينعكس إيجاباً على المستهلك الأميركي، خصوصاً خلال موسم السفر وعطلة الرابع من يوليو، وهو ما يمكن أن يُقدم باعتباره أحد الإنجازات الاقتصادية للإدارة الأميركية.

في المقابل، تبدو قدرة الدول النفطية على مواجهة عجز مالي طويل الأمد محل اختبار حقيقي، في ظل ضعف التوقعات بعودة الأسعار إلى مستوياتها المرتفعة السابقة، خاصة إذا استمرت تخمة المعروض النفطي العالمي، والتي قد تصل إلى نحو 6 ملايين برميل يومياً مع نهاية العام، وفق بعض التقديرات، بعد أن كانت الأسواق تتوقع سابقاً عجزاً في الإمدادات.

أما منظمة أوبك، فتواجه تحديات متزايدة في إدارة السوق.

فإصدار قرار جديد بخفض الإنتاج قد لا يكون الخيار الأمثل في الظروف الحالية، إذ قد يؤدي إلى فقدان المنظمة مزيداً من حصتها السوقية لصالح المنتجين من خارجها، في حين أن بعض أعضائها قد يجدون صعوبة في الالتزام الكامل بحصص الإنتاج، بل قد يفضل بعضهم زيادة الإنتاج بصورة منفردة وفقاً لقدراته ومصالحه الاقتصادية.

وقد أثبتت التجارب السابقة أن أي ارتفاع سريع في الأسعار عقب قرارات خفض الإنتاج يدفع بعض المنتجين إلى تجاوز حصصهم المقررة والاستفادة من الأسعار المرتفعة عبر ضخ كميات إضافية في الأسواق، وهو ما يؤدي في النهاية إلى عودة الضغوط على الأسعار وتقويض أثر اتفاقات خفض الإنتاج.

ومن هنا، فإن المشكلة الأساسية لا تكمن في قرارات أوبك وحدها، وإنما في استمرار تدفق الإمدادات النفطية إلى الأسواق العالمية بوتيرة مرتفعة، مقابل تباطؤ نمو الطلب. وفي مثل هذا الوضع، قد تجد المنظمة نفسها مضطرة إلى خفض إنتاجها، بينما يستفيد المنتجون الآخرون من الأسعار الأعلى دون تحمل أعباء التخفيض، وهو ما يضعف فعالية سياسة إدارة السوق.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبرز سؤال جوهري: هل حققت سياسة تحديد حصص الإنتاج داخل أوبك مكاسب مالية مستدامة للدول الأعضاء؟ وإذا كانت كذلك، فإلى أي مدى؟ وكيف يمكن تفسير تراجع أسعار النفط من أكثر من 123 دولاراً للبرميل قبل أسابيع قليلة إلى نحو 71 دولاراً حالياً، رغم الجهود المتواصلة لتحقيق التوازن في الأسواق؟ إن الإجابة عن هذه التساؤلات ستحدد إلى حد كبير مستقبل أسواق النفط، وقدرة الدول المنتجة على التكيف مع مرحلة جديدة تتسم بانخفاض الأسعار وارتفاع المنافسة، في ظل تحولات متسارعة يشهدها الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.

كاتب ومحلل نفطي مستقل

naftikuwaiti@yahoo.com