ذكر تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، أن المشهد العالمي يشهد حالة تجزؤ حيث تتصاعد النزعات الحِمائية والتوترات الجيوسياسية، وإعادة القوى الكبرى ترتيب تحالفاتها، لافتاً إلى أن الأثر التراكمي لارتفاع الرسوم الجمركية، والقيود المفروضة على تدفّقات رؤوس الأموال، وتقلّبات أسواق الطاقة، وتحوّل ديناميكيات التجارة، تلقي بظلالها على معدلات النمو.

وبين التقرير أن الصراع الأميركي- الإيراني، وما نجم عنه من اضطراب في حركة التجارة وتدفّقات الطاقة عبر مضيق هرمز، عمّق هذه الضغوط، وأنه بات لزاماً على الحكومات وصنّاع السياسات بناء سلاسل توريد أكثر مرونة وتكيّفاً لحماية اقتصاداتهم. وأن الصدارة للدول التي توظف رؤوس أموالها بأهداف محددة، وتوائم سياساتها لتسهيل حركة الأموال عبر الحدود، تتعامل مع الترابط والاتصال بوصفه عاملاً مضاعِفاً للنمو.

وحسب التقرير تجسّدت إحدى آليات الاستجابة في تركيزٍ أكثر حدة على صناديق الثروة السيادية لتعزيز الاستثمار في القطاعات عالية النمو، وفتح آفاق الشراكات العالمية، وتثبيت استقرار الاقتصادات خلال فترات عدم اليقين الجيوسياسي، موضحاً أنه بعد أن كانت تُعدّ في الماضي مجرد أدوات استثمارية متخصصة لإدارة عوائد السلع الأساسية، أصبحت صناديق الثروة السيادية تحظى اليوم بقبول عالمي واسع باعتبارها منصات إستراتيجية لتحقيق المرونة الاقتصادية.

شراكة التوسّع

وذكر التقرير أن صناديق الثروة السيادية الخليجية تعمل على تطوير نهجها الاستثماري، فبعد أن كان تركيزها تاريخياً ينصب على الأسواق الدولية والمحافظ العالمية المتنوعة، أصبحت تُوجّه رأس المال بشكل متزايد نحو أسواقها المحلية وعلى مستوى المنطقة، مفيداً أنه في وقت يتسم بارتفاع معدلات عدم اليقين، يمثل هذا التحوّل قوة استقرار تساعد في استدامة الاستثمار في القطاعات الإستراتيجية.

ويتدفق جزء كبير من هذه الأموال عبر الاستثمار المشترك، إذ تهدف «السعودية البحرينية للاستثمار»، وهي شركة تابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، إلى استثمار ما يصل 5 مليارات دولار في القطاعات الاقتصادية البحرينية.

رؤوس الأموال

ونوّه التقرير إلى أنه من خلال دمج رؤوس أموال صناديق الثروة السيادية مع خبرات القطاع الخاص، يمكن للحكومات فتح فرص استثمارية جديدة محلياً. وفي البحرين، تعكس استثمارات «ممتلكات» الدور المحوري الذي تلعبه صناديق الثروة السيادية في جهود التنويع الاقتصادي.

واستدل التقرير بمثال جمع «بنك سنغافورة الخليج» لرؤوس أموال سيادية ورؤوس أموال المكاتب العائلية، بدعم من «ممتلكات» ومجموعة «وامبوا». وأنه منذ تأسيسه 2024، عقد البنك شراكة مع وزارة السياحة البحرينية لتعزيز الاقتصاد السياحي، ومع صندوق العمل في المملكة «تمكين» لدعم تدريب وتوظيف المواطنين البحرينيين في وظائف ذات قيمة مضافة عالية.

ويمتد الطموح إلى رياضة السيارات، حيث تحظى البحرين بشغف تاريخي عميق في هذا المجال، إذ استضافت أول سباق جائزة كبرى للفورمولا واحد في المنطقة، وتستحوذ على حصة طويلة الأجل في فريق ماكلارين لسباقات السيارات.

مرونة اقتصادية

وأشار التقرير إلى أن الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها طرق التجارة الإقليمية وسلاسل التوريد العالمية أعادت التأكيد على الحاجة الملحة لتعزيز المرونة في قطاعات الأمن الغذائي، والطاقة، والبنية التحتية الرقمية؛ وهي قطاعات قد لا تكفي الحوافز التجارية وحدها لجذب الاستثمارات التي تتطلبها الأولويات الوطنية.

وبفضل تفويضاتها الموجهة نحو التنمية، بين التقرير أن صناديق الثروة السيادية الخليجية تمتلك الجاهزية التامة لسد هذه الفجوة، من خلال دعم القطاعات التي يتطلب توليد العوائد فيها وقتاً طويلاً، بالتوازي مع تعزيز قدرة المنطقة على الصمود في مواجهة الصدمات المستقبلية.

ولفت التقرير إلى أن الأمن الغذائي يُعدّ نموذجاً جلياً لهذا النهج، ففي مملكة البحرين، أطلقت شركة ممتلكات شركة غذاء لتعزيز الإنتاج الغذائي المحلي، بينما يستثمر صندوق الاستثمارات العامة في السعودية في التقنيات الزراعية، بما في ذلك الزراعة العمودية والزراعة في البيئات المحمية الخاضعة للرقابة.

كما تعقد صناديق الثروة السيادية شراكات مع شركات عالمية لتعزيز البنية التحتية الأساسية التي يعتمد عليها الاقتصاد المرن.

بناء الروابط

وحسب التقرير يمتد التكامل ليشمل البنية التحتية المادية والرقمية، ويضاعف الترابط الأكبر بين الدول الأعضاء منافع التعاون بين صناديق الثروة السيادية، ويعزز حركة التنقل، ويدعم مرونة سلاسل التوريد. ويسهم مشروع سكة حديد دول الخليج المخطط له بتكلفة 250 مليار دولار، والذي سيمتد على طول2.177 كيلومتراً ليربط بين الدول الأعضاء الست، في تعزيز الترابط ومساعدة المنطقة على استيعاب الصدمات والتكيف مع المتغيرات العالمية.

كما يوفر الربط البحري الجديد بين ميناء خليفة بن سلمان في البحرين وميناء الملك عبد العزيز في الدمام مساراً تجارياً بديلاً عبر الخليج، مما يعزز مرونة المنطقة في مواجهة الاضطرابات من النوع الذي شهده مضيق هرمز أخيراً. وينطبق المبدأ نفسه على البنية التحتية الرقمية، إذ من المقرر أن يصبح مشروع ألياف الخليج الذي يربط بين البحرين والعراق والكويت وعمان والسعودية، أكبر نظام كابلات بحرية في المنطقة.

توافق السياسات يُعظّم المنافع

أوضح التقرير أن السياسات الوطنية المتوافقة بشكل متزايد تسهم في تعظيم هذه المنافع حيث تعمل برامج شهادات القيمة المحلية المضافة، التي تمنح أفضليّة في المشتريات للموردين الذين يستوفون نسباً محددة للمحتوى المحلي، على تسهيل مشاركة الشركات عبر الحدود في الأسواق الخليجية.

وبالنسبة للمستثمرين السياديين، تتيح هذه المواءمة والتوأمة التعامل مع دول الخليج ككتلة موحدة بدلاً من التعامل معها كأقاليم قانونية وقضائية منفصلة، مما يسمح بتوظيف رؤوس الأموال بكفاءة أعلى. أما بالنسبة للمستثمرين الأجانب المباشرين، فإن الدلالة واضحة ومباشرة: هذه المبادرات تجعل الوصول إلى أسواق المنطقة أكثر سهولة ويسراً.