اعتاد المتعاملون مع تقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على واقع لطيف الانتظار، حيث تتقدم الطابعة ببطء عبر طبقة تلو الأخرى لإنتاج الجسم المطلوب، في عملية قد تستغرق ساعات كاملة. لكن فريقاً بحثياً صينياً قرر أن يضع حداً لهذا الانتظار الطويل، إذ طوّر باحثون يعملون في جامعة تسينغهوا في بكين طريقة جديدة للطباعة الثلاثية الأبعاد تتمكن من طباعة الجسم المطلوب في ستة أعشار الثانية فقط.

ووصف الفريق البحثي طريقته الجديدة بمصطلح اختصاري، إذ سُميت هذه الطريقة بـ«ديش» (DISH)، وهي اختصار لعبارة «التركيب الرقمي غير المتجانس لحقول الضوء الهولوغرافية»، وكل ما يحتاجه المستخدم هو صب كمية من السائل، وتشغيل الضوء، وفي ومضة واحدة سريعة يحصل على جسم صلب بحجم الميليمتر يبدو كما لو أنه انتقل آنياً من العدم.

وقد وصف من راجعوا الدراسة، التي نُشرت في مجلة «نيتشر» في فبراير الماضي، هذه الطريقة بأنها «أسرع طباعة ثلاثية الأبعاد حجمية تم الإعلان عنها على الإطلاق».

ولفهم القفزة التي تمثلها هذه التقنية، يجدر استعراض القيود التي كانت تكبّل أساليب الطباعة الحجمية التقليدية المعتمدة على الضوء؛ فهذه الأساليب تعتمد على تسليط الضوء من زوايا متعددة داخل وعاء من الراتنج السائل سريع الدوران لتشكيل الجسم، إلا أن الدوران السريع للسائل يتسبب في تذبذبات تُفسد دقة الطباعة، ما دفع الباحثين سابقاً إلى الحل المتمثل في زيادة كثافة الراتنج وتحويله إلى مادة هلامية كثيفة تحافظ على ثبات الشكل، وإن كانت هذه المادة الهلامية تتصلب بصورة أبطأ، ما يُفقد العملية ميزة السرعة.

أما الابتكار الجوهري في تقنية «ديش» الجديدة، فيتمثل في تجاوز هذه المعضلة بصورة جذرية، حيث تعتمد هذه الطريقة على نظام دوراني خاص يُعرف بـ«المنظار الدوري»، يُلغي الحاجة الكاملة إلى تدوير الجسم أو المادة السائلة نفسها.

وتترتب على هذا التحول التقني مجموعة من المزايا العملية اللافتة، أبرزها ما يأتي:

• انعدام أي تذبذب قد يُشوّه الجسم المطبوع نتيجة الدوران، بخلاف الطرق التقليدية التي تعاني من هذه المشكلة بصورة مستمرة.

• قدرة النظام على التعامل مع السوائل الرقيقة دون الحاجة إلى مواد كثيفة القوام، وهي ميزة بالغة الأهمية في التطبيقات البيولوجية، إذ نجح الفريق البحثي في طباعة أنابيب على شكل أوعية دموية، وبما أن المادة تبقى ثابتة دون حركة، فإنه بالإمكان طباعتها مباشرة على نسيج بيولوجي حي.

• الحفاظ على دقة تفصيلية بالغة، إذ تصل أبعاد الميزات التفصيلية إلى اثني عشر ميكرومتراً فقط، وهو ما يُمثّل حلاً جذرياً للمعضلة التي ظلت تربك هذا المجال طويلاً، والمتمثلة في الاضطرار إلى التضحية بالدقة من أجل الحصول على سرعة أعلى، أو التضحية بالسرعة من أجل تحقيق دقة أعلى.

وفي إطار التحقق العملي من فعالية هذه التقنية، طبع الفريق البحثي حتى تمثالاً نصفياً صغيراً للملك ثيودوريك العظيم، الذي حكم إيطاليا قبل نحو ألف وخمسمئة عام، في إشارة إلى مدى التفاصيل الدقيقة التي يمكن لهذه التقنية تحقيقها.

وتفتح هذه التقنية آفاقاً تحويلية في مجالات الطب الحيوي وتقنية النانو، إذ تتجاوز المعضلة التقليدية بين السرعة والدقة، وقد تُمهّد الطريق لتطبيقات متقدمة في الإلكترونيات المرنة والروبوتات المجهرية، فضلاً عن إنشاء نماذج نسيجية بيولوجية بالغة التفصيل.

ويأتي هذا الابتكار في إطار مجال يشهد تطوراً متسارعاً، إذ كان فريق بحثي آخر يعمل في الوقت ذاته على تطوير طريقة لطباعة معدن أصلب من الفولاذ بتقنية الأبعاد الثلاثية. ويبقى السؤال المطروح الآن متعلقاً بمدى السرعة التي ستنتقل بها هذه التقنية الواعدة من مرحلة المختبر إلى التطبيقات الصناعية والطبية الفعلية على نطاق واسع.