من الانفتاح الطموح على منح القروض الشخصية إلى تقييد الحركة بدرجة ملموسة، حيث يُشكّل هذا التضاد واقعاً مصرفياً محلياً، يبرز عند المقارنة بين أول شهرين من 2026، ومنذ 28 فبراير الماضي حتى الآن، حيث يبدو واضحاً خلال الأشهر الثلاثة الماضية مُضاعفة جميع مؤشرات التشدد بالعقل المصرفي الجماعي تجاه منح القروض الشخصية للأفراد بمختلف شرائحهم، وبإدارة أكثر حذراً تجاه الانكشاف على مخاطر التعثر غير المتوقعة في دفاتر التسهيلات الاستهلاكية والمقسطة.
فبالعودة مرة ثانية إلى بداية العام، كانت جميع خُطط البنوك تشي وقتها بأن 2026 يعكس نظرة مستقبلية مستقرة لنمو التدفق ائتمانياً إلى مُختلف القطاعات الإنتاجية والاستهلاكية، مدعومة بتوقّعات نمو الاقتصاد غير النفطي، وارتفاع احتياجات الشركات والأفراد للتمويل، وسط تراجع أسعار الفائدة مُقارنة بالفترات السابقة، ودور ذلك في تعزيز جاذبية الاقتراض.
ومصرفياً استمرت نظرة البنوك المُقرّرة للقفز بمحافظ الائتمان من التباطؤ المسجل بـ 2025 للنمو خلال 2026 آخذة في التصاعد، حتى أطفأت شرارة الحرب بين أميركا وإسرائيل وإيران منذ 28 فبراير الماضي، حماسة تفعيل خُطط التوسّع ائتمانياً بقطاع الأفراد المقررة لهذا العام، ومنذ هذا الوقت، انخفض معدل تلبية منح التمويل الشخصي، ليس لقلة طالبيه، لكن لحاجة البنوك لمزيد من الضمانات، حيث باتت حريصة في المنح بشكل كبير، وذلك في مسعى منها لتفادي مخاطر بناء مستويات إضافية من المخصصات الاحترازية، مثلما اضطرت معه في معالجة دفاتر أزمة 2008، وجائحة كورونا 2020، حيث تضرّرت بيئة الأعمال، للدرجة التي اتسعت معها رقعة تسريح المُوظّفين ببعض القطاعات التشغيلية.
نهج حذر
ونتيجة لذلك، يمكن القول إن السياسة الائتمانية مُوحّدة في جميع البنوك، نحو اتباع نهج أكثر حذراً في تمويل الأفراد، لكن التحدي في الوقت الحالي يبرز أن هذه السياسة مطبقة على جميع العملاء سواء مواطنين أو غير كويتيين، مع الإشارة إلى أنه وحسب تقرير سابق لوكالة «موديز» فإن الإقراض الاستهلاكي يشكّل 39 % من إجمالي محفظة التمويلات المحلية.
ورغم أن معظم هذه المحفظة موجّه إلى موظفي الحكومة، ما يُوفّر مُستوى حماية كبيرة بفضل ارتفاع الاستقرار الوظيفي وآلية تحويل الراتب، ورغم تمتّع البنوك بسيولة وفيرة وإستراتيجية تمويل مُستدامة قائمة على ودائع العملاء، والتي تُعادل حسب الوكالة نحو 73 % من مصادر التمويل غير المرتبطة بالأسهم، فما الذي طرأ لتنامي الحساسية المصرفية في تمويل الأفراد المفضلين تمويلياً لهذا الحدّ، وذلك مع جميع العملاء دون استثناء؟
إدارة مُحاسبيّة
ولعلّ السبب الجامع في قفزة مُؤشّر الحذر في منح التمويلات الشخصية، تزايد احتمالات ظهور قروض مُتعثّرة جديدة في بعض شرائح الأفراد، ولو جاءت توقّعات التعثر ضمن مُستويات يمكن إدارتها مُحاسبيّاً، فمن ناحية ارتفعت الحاجة مصرفياً للحذر في منح تمويلات الأفراد من غير الكويتيين بإعلان جهات حكومية عدة الفترة الأخيرة إنهاء خدمات موظفيها المقيمين، «وتفنيش» شركات عدة في القطاع الخاص لبعض عمالتها، ما استدعى في الاتجاهين قياس مخاطر إقراض غير الكويتيين بحساسية أوسع، ترتكز على نوع وظيفة المتقدم بطلب ائتماني ومُستقبلها، وبالطبع التدقيق على أوراق العميل وتمتّعه بمستحقات تُغطّي أقساطه في حال التعثّر مع التأكد من مستقبل الشركة والقطاع اللذين يعمل فيهما.
وفي الوقت نفسه استدعى تعديل أوضاع بعض العملاء، من كويتيين إلى جنسيات أخرى، أو جار العمل على تعديل أوضاعهم، تدقيقاً مصرفياً أوسع في منح القروض في هذا النطاق من باب الحذر المصرفي، لا سيما إذا تلاقى اسم طالب التمويل مع آخر سحبت جنسيته، لا سيما إذا كان من «المُزوّرين»، ونتيجة لذلك يقوم المعنيون في البنوك، بمطابقة البيانات المدنية من باب الاحتراز، لفرز العميل بين عالي المخاطر ومُتوسّط ومقبولة مخاطره.
سيناريو مُستحقّ
ونتيجة مصرفية لهذه التطورات، من الواضح أن مسؤولي السياسة الائتمانية في جميع البنوك الكويتية، خلعوا عباءة التوسّع في تمويل الأفراد مُوقّتاً، واستبدلوها بأخرى تُمكّنهم من استشراف المستقبل بحذر «صحي»، وفي هذه الأثناء يكون الحذر في منح التمويلات الشخصية سيناريو مستحقاً وليس رفاهية مصرفية.
لكن أمام هذا الواقع، يستحق السؤال، كيف ستتمكن البنوك الكويتية من الحفاظ على المرونة والنمو ائتمانياً بـ 2026؟ وما الذي يخبئه المستقبل لهذا القطاع الحيوي؟
مبدئياً، تستحق الإشارة إلى أن البنوك الكويتية تظل في موقع قوي لمُواصلة النمو بمحافظ قروضها، وتعزيز ربحيتها من تمويل الأفراد، بمجرد توفّر قدر أكبر من اليقين الائتماني للفترة المقبلة، ما تظهره مؤشرات عدة أبرزها جودة قروضها التي تظل بين الأفضل في المنطقة، وسياساتها الحذرة للإقراض والتي جعلتها تحافظ على متوسط قروض متعثرة يقارب 1.5 % ما يصنفها من الأدنى عالمياً، وسط احتياطيات ضخمة تغطيها بنسبة تصل 243 % من الإجمالي، ما يمنحها محاسبياً قدرة قوية على امتصاص أي صدمات اقتصادية غير متوقعة، ومواجهة أيّ تحديات مستقبلية، ومن ثم يكون استقرارها المالي معززاً بأفضل مستوى.
تدفّق القروض
وأمام هذه المعطيات، يكون قرار إبطاء تدفق قروض الأشخاص ذاتياً، مدفوعاً من نافذة الحذر حيث التماهي مع تداعيات بيئة الأعمال المحلية، ومن ثم، وحسب مصادر مسؤولة مصرفية لـ «الراي»، سيقابل تحرك مؤشرات الهدوء الجيوسياسي في المنطقة للأعلى، والتي يفترض أنها انتقلت إلى السيناريو الثاني، المتعلق بارتفاع ترجيحات توقيع الهدنة على حساب التصعيد، نشاطاً موازياً في منح القروض للأفراد، وهو المرجح تلمّس حدوثه بالربع الثالث.
ولعلّ ما يُعزّز النظرة الإيجابية للنصف الثاني من العام الحالي، حسب المصادر، أن البنوك لا تزال ممسكة في يدها بـ «مفتاح» إعادة تشغيل محافظ قروضها بكامل طاقتها، وأنها بانتظار إشارة الاطمئنان للمنح، موضحة أن هذه الحالة تتيح للبنوك مرونة أوسع في تحديد وقت العودة للتوسّع بائتمان الأشخاص، وأن أعينها مفتوحة على عودة النشاط التمويلي المستدام، وعدّاد المخاطر، لا سيما بمجرد سريان الهدوء جيوسياسياً.
1.5 % تراجعاً بالتسهيلات الاستهلاكية أول 4 أشهر بـ 2026
سجّلت القروض الاستهلاكية أول 4 أشهر بـ 2026 تراجعاً يقدر بـ 1.5 % يعادل 31.7 مليون دينار مقابل الفترة المقابلة من 2025، لينخفض حجم المحفظة إلى 2.045 مليار، مقارنة مع 2.077 مليار في ديسمبر.
وارتفعت القروض الإسكانية بـ 1.15 % وبـ 198.7 مليون إلى 17.475 مليار، في المقابل انخفضت قروض السكن الخاص والنموذجي 7.3 % وبـ 14.6 إلى 183.6 مليون، وارتفع بذلك إجمالي رصيد التسهيلات الشخصية بنهاية أبريل 0.6 % إلى 20.145 مليار بزيادة 117.7 مليون، مقارنة مع 20.02 مليار.
وبلغ إجمالي القروض المُوجّهة لشراء أوراق مالية 4.814 مليار، بارتفاع سنوي 18.1 % مقارنة بـ 4.076 مليار، وزاد تمويل قطاع النفط والغاز 7.8 % وبقيمة 216 مليوناً، لتسجل 2.98 مليار، مقارنة مع 2.76 مليار، وصعدت القروض العقارية 2.8 % بـقيمة 306.4 مليون إلى 11.213 مليار، وصعدت القروض الإنشائية 6 % وبـ 173.2 مليون من 2.885 مليار إلى 3.058 مليار.