في اكتشاف علمي يفتح الباب واسعاً أمام مقاربات علاجية جديدة كلياً، أفاد باحثون من «مستشفى ماساتشوستس العام»، و«كلية الطب بجامعة هارفارد» بأنهم توصلوا إلى تحديد فئة من خلايا الدم البيضاء الطافرة التي تلعب دوراً فعّالاً وغير متوقع في كبح نشوء وتفاقم مرض تصلّب الشرايين، بدلاً من تغذيته كما كان يُعتقد سابقاً. وتقدم هذه النتائج للمرة الأولى دليلاً تجريبياً على أن بعض الطفرات الجينية في الخلايا المناعية قد تكون حامية للقلب لا ممرضة له.

وبحسب الدراسة المنشورة في دورية «ساينس ترانسليشنال ميديسن»، فقد ركز فريق البحث على طفرة جينية محددة تُعرف باسم «TET2»، وهي طفرة تُصيب خلايا الدم الجذعية وتؤدي إلى تضخم استنساخي لخلايا الدم البيضاء.

وكان المجتمع العلمي يفترض حتى الآن أن هذه الطفرات تُسهم في تفاقم الالتهاب الوعائي وتسرّع وتيرة تصلّب الشرايين. إلا أن النتائج الجديدة قلبت هذا التصور رأساً على عقب.

وأوضح الدكتور كينيث والش، الباحث الرئيسي في الدراسة، أن فريقه أجرى تجارب على فئران معدلة وراثياً حُقنت بخلايا جذعية تحمل طفرة «TET2». والمفاجأة كانت أن هذه الفئران طوّرت لويحات تصلبية أصغر حجماً وأكثر استقراراً مقارنة بالفئران التي تلقت خلايا دم طبيعية. وتبيّن أن الخلايا الطافرة تُفرز مستويات مرتفعة من بروتين يُدعى «IL-10»، وهو سايتوكين قوي مضاد للالتهاب يعمل بمثابة مكبح طبيعي للنشاط الالتهابي المفرط في جدران الشرايين.

ويُمكن تلخيص أبرز ما توصلت إليه الدراسة في النقاط الآتية:

• الطفرة الجينية «TET2» تدفع الخلايا المناعية إلى إفراز السايتوكين المضاد للالتهاب «IL-10» بكميات كبيرة.

• الفئران الحاملة للخلايا الطافرة أظهرت لويحات تصلبية أقل حجماً بنسبة 35 في المئة وأكثر استقراراً من حيث البنية النسيجية.

• اللويحات المستقرة هي الأقل عرضة للتمزق، وبالتالي الأقل تسبّباً في النوبات القلبية والسكتات الدماغية الحادة.

• الباحثون يعملون حالياً على تطوير جزيء دوائي يُحاكي آلية «IL-10» دون الحاجة إلى إحداث طفرات جينية.

وعلّق باحثون مستقلون على هذه النتائج بوصفها «نقلة نوعية» في فهم العلاقة بين علم الدم وأمراض القلب. لكنهم يُحذّرون من أن الطريق إلى تطبيق سريري آمن لايزال طويلاً، إذ إن أي تدخل يهدف إلى تضخيم استجابات مناعية معينة قد يحمل في طياته مخاطر غير مقصودة، أبرزها زيادة القابلية للإصابة بالعدوى أو التسبّب في تفاعلات مناعية ذاتية.

ويبقى السؤال الأهم الذي يطرحه هذا الاكتشاف: هل يمكن تسخير آليات الجسم المناعية الذاتية لتصبح أدوات علاجية بدلاً من أن تكون عوامل مرضية؟ تجيب هذه الدراسة بأن الاحتمال قائم، لكن ترجمته إلى واقع سريري تتطلّب عقداً آخر من البحث الدؤوب.