كشف تقرير علمي عن إنجاز طبي غير مسبوق من شأنه أن يُحدث تحولاً جذرياً في مفهوم توصيل الأدوية إلى خلايا الجسم.

وأفاد التقرير الذي نشره موقع «Live Science» بأن فريقاً من الباحثين في جامعة «رايس» الأميركية نجح في هندسة ديدان مجهرية معدلة وراثياً، من فصيلة «Caenorhabditis elegans»، بحيث تكون قادرة على إنتاج بروتينات علاجية محددة وإفرازها مباشرة داخل أنسجة الكائن الحي المستهدف.

وتُعد هذه التقنية، التي تبدو أقرب إلى الخيال العلمي، أول إثبات عملي على إمكانية استخدام الكائنات الحية الدقيقة كصيدليات متنقلة تنتقل إلى مواقع الإصابة وتقوم بتصنيع الدواء في المكان والزمان المحددين بدقة.

وأوضح الباحثون، الذين نُشرت نتائجهم في دورية «Nature Communications»، أنهم قاموا بتعديل جينات هذه الديدان لتحمل «مفاتيح تشغيل» حساسة للحرارة أو لمركبات كيميائية معينة، ما يسمح لهم بالتحكم عن بُعد في عملية إنتاج الدواء.

وبمجرد وصول الديدان إلى المنطقة المستهدفة داخل الجسم، يتم تفعيل هذه المفاتيح بواسطة محفز خارجي غير ضار، فتبدأ خلاياها المتخصصة في إنتاج وفرز البروتين العلاجي المطلوب بجرعات محكومة.

ولإثبات فعالية هذا المفهوم الثوري، أجرى العلماء تجاربهم على نماذج حيوانية حية، حيث تمكنت الديدان المعدلة من إنتاج بروتين يُعرف بـ «GLP-1»، وهو مركب يُستخدم لتحفيز إفراز الأنسولين وخفض مستويات السكر في الدم. وأظهرت النتائج أن الديدان، بعد زرعها في أجسام فئران المختبر وتفعيلها، أنتجت كميات كافية من البروتين العلاجي أدت إلى انخفاض ملموس ومستدام في مستويات الغلوكوز لدى الحيوانات المصابة بداء السكري.

وقدّم التقرير ملخصاً لأهم جوانب القفزة العلمية التي تحققها هذه الدراسة:

• الدقة الفائقة في الاستهداف: تتجه الديدان بشكل طبيعي إلى أنسجة معينة، ما يسمح بإيصال الدواء مباشرة إلى العضو المريض، مثل البنكرياس، وتجنب الآثار الجانبية الناتجة عن انتشار الدواء في الجسم كله.

• الإنتاج المستدام والمتحكم به: على عكس الحقن الدوائية التقليدية التي تتطلب جرعات متكررة، توفر هذه الديدان مصنعاً حيوياً يعمل بشكل مستمر داخل الجسم لفترة طويلة، ما يضمن ثبات مستوى الدواء في الدم.

• تقليل التكلفة والتعقيد: يمكن تكاثر الديدان بسهولة وبتكلفة منخفضة في المختبرات، ما يجعل هذه التقنية مرشحة لأن تكون بديلاً اقتصادياً لعمليات التصنيع الدوائي المعقدة لبعض الأمراض المزمنة.

• قابلية البرمجة لأمراض متعددة: لا يقتصر الأمر على السكري، حيث يمكن نظرياً برمجة الديدان لإنتاج أي بروتين علاجي، ما يفتح الباب أمام علاجات جديدة للسرطان وأمراض المناعة الذاتية والاضطرابات العصبية.

وعلى الرغم من الطبيعة الثورية لهذا الإنجاز، حرص الباحثون على تأكيد أن الطريق لايزال طويلاً قبل تطبيق هذه التقنية على البشر. وتتمثل أبرز التحديات في ضمان السلامة البيولوجية الكاملة ومنع أي استجابة مناعية غير مرغوب فيها تجاه الديدان، بالإضافة إلى تطوير آليات دقيقة للتحكم في إيقاف إنتاج الدواء عند الحاجة. لكن هذه الدراسة، بحسب قولهم، تُمثل معلماً علمياً بارزاً يدفع بحدود الطب الحيوي إلى آفاق غير مسبوقة، حيث يصبح الخط الفاصل بين الكائن الحي والدواء غير واضح.