تحدثت مصادر أميركية وإسرائيلية عن تطور تاريخي في العلاقات الإسرائيلية - اللبنانية، تمثل في انطلاق مفاوضات مباشرة بين البلدين برعاية أميركية في واشنطن، وهي الأولى من نوعها منذ أكثر من 30 عاماً، ذلك في أعقاب حرب مفتوحة بين إسرائيل و«حزب الله».
بحسب تحليل موسع صادرة عن معهد «مايند إسرائيل» ومعهد «مسغاف»، وضعت واشنطن وتل أبيب وبعض اللبنانيين، صورة شاملة للإستراتيجية وأرضية الحل المطروحة في المدى المنظور.
وقف نار مفروض أم مقايضة إستراتيجية؟
وفقاً للواء عاموس يدلين، (الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات الإسرائيلية «أمان» ورئيس «مايند إسرائيل») والعقيد احتياط أودي افنتال، (خبير إستراتيجي)، فإن وقف إطلاق النار الحالي في لبنان فُرض على إسرائيل من قبل الرئيس دونالد ترامب، الذي أوضح أنه «لن يُسمح لها بمواصلة مهاجمة لبنان».
هذا الإملاء الأميركي، الذي جاء بعد أسبوع من استخدام إسرائيل «القوة المفرطة» في لبنان، أثار قلقاً عميقاً في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، حيث اعتبره يدلين، وافنتال، دليلاً على فقدان الحكومة الإسرائيلية استقلاليتها في اتخاذ القرار.
مع ذلك، يرى المحللان أن وقف إطلاق النار هو «الخطوة الصحيحة إستراتيجياً» من وجهة نظر إسرائيل، وذلك للأسباب التالية:
- استنزاف «حزب الله»: أوقع الجيش الإسرائيلي بالحزب ضربة قوية وحقق معظم أهدافه العسكرية.
- تحييد ورقة إيران: منع طهران من نسب فضل وقف إطلاق النار لنفسها، خصوصاً بعد أن سعت لربط وقف الحرب في لبنان بفتح مضيق هرمز.
- فتح نافذة دبلوماسية: دفع لبنان إلى طاولة مفاوضات مباشرة، ما يحرم «حزب الله» من غطاء «المقاومة» ويضع الدولة أمام مسؤولياتها.
من جهة أخرى، يرى يوسي مانشروف، (الباحث في معهد «مسغاف» و«إسرائيل اليوم») أن وقف إطلاق النار لا ينبغي قبوله كأمر مسلم به، بل يجب استغلاله لخلق «واقع جديد» في لبنان، مؤكداً أن «السيادة اللبنانية وهم» وأن إسرائيل يجب أن تكون «صاحبة السيادة الأمنية» جنوب الليطاني.
مكاسب إسرائيلية تحت غطاء أميركي
يحدد يدلين، وافنتال، المكاسب التي حققتها إسرائيل في نص اتفاق وقف إطلاق النار:
البند... المكسب الإسرائيلي
- الانسحاب العسكري: لا يوجد انسحاب فوري؛ القوات الإسرائيلية ستبقى على «خط الدفاع المضاد للدبابات» (10 كلم داخل الأراضي اللبنانية).
- حق الدفاع عن النفس: احتفاظ إسرائيل بحقها في الرد على أي عمل عدائي.
- الاعتراف اللبناني: اعتراف الحكومة بالضرر الذي تسببه الجماعات المسلحة غير الحكومية (في إشارة إلى «حزب الله») بسيادتها.
- المفاوضات المباشرة: التزام البلدين بدخول مفاوضات مباشرة برعاية أميركية لاتفاق شامل وهو ما يخالف القانون اللبناني الذي يمنع التطبيع مع إسرائيل.
مدة الهدنة: 10 أيام قابلة للتمديد، مع إبقاء الخيار العسكري مفتوحاً.
«نزع سلاح حزب الله» كشرط للسلام
وفقاً للمصادر الإسرائيلية والأميركية، فإن المطلب الإسرائيلي الأساسي في المفاوضات هو نزع سلاح «حزب الله» بشكل كامل.
وأكد وزير الخارجية جدعون ساعر، أن «نزع سلاح حزب الله يجب أن يحدث قبل أن تتمكن إسرائيل ولبنان من توقيع أي اتفاق سلام وتطبيع العلاقات».
أما المصادر اللبنانية، فتركز على مطالب مختلفة: وقف دائم لإطلاق النار، انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي المحتلة جنوباً، إعادة النازحين، والإفراج عن المعتقلين.
هذا التباين في الأولويات يشكل العقبة الأساسية أمام المفاوضات.
«فرق تسد»
يقدم مانشروف، رؤية استراتيجية واضحة تتمثل في رفض «المعادلة الإيرانية» التي تحاول ربط مصير لبنان بالمفاوضات مع طهران. ويرى أنه يجب على إسرائيل، أن تعمل على:
- قطع الصلة بين الساحتين: من خلال إظهار قوة ردع تمنع إيران من التدخل المباشر.
- رفض الإملاءات الأميركية: يجب على إسرائيل رفض أي ضغوط من إدارة دونالد ترامب، لوقف إطلاق نار سريع كجزء من صفقة شاملة مع إيران، لأن ذلك سيمثل «نصراً استراتيجياً لمحور إيران».
- استغلال الانقسام اللبناني - الإيراني: المصادر اللبنانية تؤكد أن بيروت نجحت في «فصل مسارها عن المسار الإيراني» في المفاوضات، وهو ما تستغله إسرائيل لتكريس شرعية الحكومة اللبنانية مقابل إضعاف «حزب الله».
«المنطقة العازلة» كضمانة أمنية
جوهر الإستراتيجية الإسرائيلية على الأرض، كما يصفها مانشروف، هو إقامة منطقة عازلة جنوب نهر الليطاني تسيطر عليها إسرائيل «إلى أجل غير مسمى».
هذه المنطقة ليست مجرد ترتيب أمني، بل هي «ورقة ضغط إستراتيجية» تهدف إلى:
- تحييد تهديد الصواريخ المضادة للدبابات: السلاح الإستراتيجي الرئيسي لـ«حزب الله» الذي يهدد مستوطنات الجليل.
- تطهير القرى: إخلاء القرى القريبة من الحدود من أي بنية تحتية عسكرية.
- شرط الانسحاب: لن تنسحب إسرائيل من هذه المنطقة إلا بعد «نزع سلاح حزب الله بالكامل»، وليس وفق جدول زمني.
هذا التوجه يفسر استمرار العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان حتى بعد إعلان الهدنة، حيث ذكرت مصادر أن «إسرائيل تواصل ما تراه أهم عملية لها، وهي تدمير القرى الحدودية في جنوب لبنان لإنشاء منطقة عازلة منزوعة السكان».
الهيكلية
تجري المفاوضات في وزارة الخارجية الأميركية بحضور:
المفوض الإسرائيلي: السفير يحيئيل لايتر.
المفوض اللبناني: السفيرة ندى حماده معوض (ترأس الوفد).
الراعي الأميركي: وزير الخارجية ماركو روبيو (الذي يشغل أيضاً منصب مستشار الأمن القومي لترامب)، إلى جانب السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى والمبعوث مايك والتز.
ووصف روبيو، الاجتماع بأنه «عملية» وليس «حدثاً ختامياً»، معترفاً بأن «كل تعقيدات هذه المسألة لن تُحل خلال ساعات».
الرؤية الأميركية
تؤكد واشنطن أن أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يتم بين الحكومتين بوساطة أميركية، و«ليس من خلال أي مسار منفصل».
وتشمل الرؤية الأميركية:
- إعادة تأكيد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد هجمات «حزب الله».
- دعم خطة الحكومة اللبنانية لاستعادة احتكار القوة والحد من النفوذ الخارجي.
- ربط المساعدات بالسيادة: فتح إمكانية تقديم مساعدات إعادة إعمار كبيرة للبنان مقابل التزامه بنزع سلاح «حزب الله» وتنفيذ القرارات الدولية.
وترى مصادر سياسية أن إصرار إسرائيل على البقاء العسكري جنوب الليطاني يهدد بتصنيفها «قوة احتلال»، ما يعيد الشرعية لـ«حزب الله».
انقسامات إسرائيلية
ويعترف يدلين، بأن الحكومة الإسرائيلية فقدت استقلاليتها في القرار تحت الضغط الأميركي، ما قد يؤدي إلى «انقسامات داخل قيادة الحكومة» إذا شعرت الأحزاب اليمينية بأن ترامب، «باع» مصالح إسرائيل لإيران.
ويقدم يدلين، وافنتال، خريطة طريق لإسرائيل لتعظيم المكاسب:
- التنسيق مع واشنطن: توضيح أن نزع سلاح «حزب الله» يضعف إيران، ويتطلب مشاركة أميركية مستمرة لحماية القيادة اللبنانية.
- إنشاء «مجموعة دول»: برعاية أميركية وبتمويل خليجي لتعزيز الجيش اللبناني وبناء قدرته على مواجهة «حزب الله» وفرض السيادة.
- خريطة طريق لنزع السلاح: تتضمن إغلاق الحدود أمام التهريب الإيراني، وقطع تحويل الأموال إلى «حزب الله» عبر النظام المصرفي.
- طرد الحرس الثوري: مطالبة لبنان بطرد عناصر الحرس المتواجدين في السفارة الإيرانية.
تمثل اللحظة الراهنة مفترق طرق تاريخيا للصراع الإسرائيلي - اللبناني. فبينما ترى إسرائيل في المفاوضات المباشرة أداة لترجمة تفوقها العسكري إلى مكاسب سياسية تتمثل في نزع سلاح «حزب الله»، تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيت هدنة هشة تخدم أجندتها الأوسع مع إيران.
في المقابل، تحاول الحكومة اللبنانية استغلال الضغط الدولي لاستعادة سيادتها، بينما يرفض الحزب أي اتفاق يمس بوجوده المسلح.
ما لم يتم التوصل إلى صيغة ترضي جميع الأطراف - وهو أمر مستبعد حالياً - فإن الهدنة الحالية قد لا تكون سوى هدنة موقتة قبل جولة جديدة من العنف، خصوصاً مع إصرار إسرائيل على فرض «واقع جديد» على الأرض بغض النظر عن طاولة المفاوضات.