تشير الإستراتيجية التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لإرباك منظومة إمدادات النفط الصينية إلى تحوّل جوهري في طبيعة المنافسة داخل أسواق الطاقة العالمية. إذ بدلاً من الاكتفاء بالعقوبات التقليدية، يجري توظيف ضغط منهجي على سلاسل التوريد المعتمدة تاريخياً، ما يضع الشبكات المعقدة لتدفقات النفط، التي بُنيت عبر عقود من العلاقات الدبلوماسية والاتفاقيات التجارية، أمام تحديات غير مسبوقة تهدف إلى إعادة تشكيل ميزات التنافس في تأمين الطاقة.

ويفرض هذا التحول على الدول المستهلكة الكبرى إعادة النظر في فرضيات أساسية تتعلق بأمن الطاقة وآليات التسعير.

ويقول مقال نشره موقع (ديسكفري أليرت) إن ما يُعرف بـ«أساطيل الظل» تمثل منظومات لوجستية متطورة صُممت للالتفاف على آليات الرقابة التقليدية في الشحن البحري. وتعتمد هذه الشبكات على ناقلات غير مُعرّفة بوضوح وهياكل ملكية عبر شركات واجهة وأدوات مالية معقدة خارج النظام المصرفي التقليدي.

وقد أظهرت التجربة الصينية بين 2020 و2024 فعالية هذه الآليات، إذ تشير تقديرات قطاعية إلى أن بكين وفّرت بين 12 و15 مليار دولار سنوياً عبر شراء نفط خاضع للعقوبات بخصومات تراوحت بين 20 في المئة و30 في المئة دون أسعار السوق.

وأوضح المقال أن المكونات الرئيسية لأنظمة التوريد البديلة تشمل أساطيل ناقلات تعمل عبر شركات واجهة وهياكل ملكية متعددة الجنسيات وقنوات تمويل بديلة خارج النظام المصرفي التقليدي وموانئ متخصصة للعمليات غير المعلنة وشبكات تخزين وتوزيع متكاملة.

ومكّنت هذه الآليات الصين من بناء احتياطي نفطي إستراتيجي يُقدّر بنحو 1.2 مليار برميل بحلول مطلع 2026، ما يغطي أكثر من 100 يوم من الاستهلاك، محققاً هدفين متوازيين: خفض التكاليف وتعزيز النفوذ الإستراتيجي.

وتعكس الإستراتيجية الجديدة انتقالاً من ملاحقة الشبكات إلى استهداف مصادر الإمداد نفسها. هذا النهج يقلّص فعالية أنظمة الالتفاف عبر ضرب نقاط الإنتاج أو المعالجة مباشرة.

معضلة المضيق

ويمر نحو 40 في المئة من واردات الصين النفطية عبر مضيق هرمز، ما يجعله نقطة اختناق إستراتيجية. وعندما حاولت إيران تعطيل الملاحة، وجدت بكين نفسها أمام خيار معقّد بين دعم شريك سياسي وحماية إمداداتها الحيوية.

وتشير دراسات صادرة عن مركز سياسات الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا إلى أن هذا النوع من الأزمات يدفع الصين لإعادة ترتيب أولوياتها، حيث تتقدم اعتبارات أمن الطاقة على الاصطفافات السياسية.

وكانت النتيجة العملية ضغطاً صينياً لإعادة فتح الممرات، ما يكشف حدود التحالفات عندما تتعرض المصالح الاقتصادية الأساسية للخطر.

أثر السوق

ولفت التقرير إلى أن القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الصناعات الثقيلة ومعالجة المعادن النادرة، تصبح أقل قدرة على المنافسة مع اختفاء ميزة الطاقة المخفضة. ورغم ذلك، تشير تحليلات أوروبية إلى أن القاعدة الصناعية الصينية لاتزال متماسكة، وإن كانت تواجه تحديات طويلة الأجل في الكلفة التنافسية.

المصافي الفنزويلية

من جهة أخرى، قال التقرير إن المصافي الفنزويلية التي أُنشئت في إطار ترتيبات سداد الديون الصينية تحولت إلى نقاط نفوذ تفاوضي. ويكشف هذا التحول أن الاستثمارات في البنية التحتية الخارجية قد تتحول إلى نقاط ضعف في سياق الصراعات الجيوسياسية.

وأضاف أن هناك عوامل هشاشة في الاستثمارات الطاقية الخارجية تتمثل بالسيطرة المادية على الأصول وهيكل الدين كأداة ضغط والاعتماد التشغيلي على خبرات خارجية والتحكم في الوصول إلى الأسواق وإدارة الاحتياطي الإستراتيجي تحت الضغط.

ومع تراجع الوصول إلى النفط منخفض التكلفة، تواجه الصين خيارات صعبة كاستخدام الاحتياطي لدعم الاستهلاك الحالي مقابل تقليص الأمان المستقبلي، والحفاظ على الاحتياطي مع تحمّل تكاليف مرتفعة حالياً، واستخدام انتقائي لدعم قطاعات إستراتيجية، وتوقيت استخدام الاحتياطي لتحقيق مكاسب سعرية. وكل خيار ينطوي على مفاضلة بين الاستقرار الاقتصادي الآني والاستقلالية الإستراتيجية طويلة الأجل.

سلاسل الإمداد

وتفرض الارتفاعات الحادة في تكاليف الطاقة بمركز التصنيع الكبرى ضغوطاً متزايدة على سلاسل الإمداد العالمية، ما سرّع وتيرة إعادة توزيع الإنتاج نحو وجهات بديلة مثل فيتنام والهند وتايلند، بحثاً عن تكاليف تشغيلية أكثر انخفاضاً. وتخضع القدرة التنافسية الصناعية في هذا المشهد لمعايير عدة حاسمة تتجاوز تكلفة الطاقة المباشرة، لتشمل تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، ومدى موثوقية واستدامة الإمدادات، بالإضافة إلى الفروق الجوهرية في أجور العمالة والبيئة التنظيمية المحفزة للاستثمار.

3 سيناريوهات محتملة

يرجح تقرير «ديسكفري أليرت» 3 سيناريوهات تأثير محتملة لإقصاء مصادر النفط منخفض التكلفة ودفع كبار المستهلكين نحو السوق الفورية، ما يخلق ضغوطاً تصاعدية على الأسعار العالمية، مشيراً إلى أن السيناريوهات الـ 3 تتمثل بما يلي:

1 - تعطّل جزئي: زيادة 10–15 دولاراً للبرميل، مع تقلبات إقليمية.

2 - تعطّل كامل: ارتفاع 25–35 دولاراً، مع مخاطر ركود عالمي.

3 - ضغط مستمر: زيادة 15–20 دولاراً، مع إعادة هيكلة سلاسل التوريد.

القطاعات الحيوية تواجه تحديات اقتصادية معقدة

تواجه القطاعات الحيوية التي تتسم بكثافة استهلاك الطاقة، مثل معالجة العناصر الأرضية النادرة، تحديات اقتصادية معقدة تؤدي إلى تراجع جدواها في البيئات ذات التكلفة المرتفعة. وبات استقرار سلاسل توريد هذه المدخلات الإستراتيجية مرتبطاً بشكل وثيق بالقدرة على تأمين طاقة ميسورة التكلفة، حيث إن أي اضطراب في هذا الجانب لا يرفع التكاليف النهائية فحسب، بل يهدد بتعطيل الصناعات المتقدمة التي تعتمد كلياً على هذه المواد الأرضية النادرة.