الجهود رغم براعتها تظل غير قادرة على استيعاب الأحجام الضخمة الضامنة للاستقرار عالمياً

من يُعوّض نفط الشرق الأوسط... وسط تباطؤ امداداته؟

تصغير
تكبير

- مرونة خليجية استثنائية وكفاءة عالية في إدارة الأزمة
- شبكة الطرق الالتفافية للتصدير ليست بديلاً إستراتيجياً مكافئاً
- تحذيرات من تبعات كارثية على نمو الاقتصاد العالمي لغياب نفط المنطقة
- السعودية وجّهت صادراتها عبر البحر الأحمر والإمارات اعتمدت على الفجيرة والعراق أحيا مسارات برية
- ريادة الخليج لسوق الطاقة ضمانة استقرار النظام الاقتصادي الدولي
- تعطل هرمز لا يعني ارتفاع الأسعار فحسب بل اضطرار العالم لإعادة تشكيل نظامه الاقتصادي تحت ضغوط قاهرة
- سحب 400 مليون برميل من الاحتياطات مسكّن موقت لا يسد الفجوة العميقة لغياب تدفقات المنطقة

في أعقاب التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، أدى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، الذي يعبره نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية، ما يعادل 20 % من الاستهلاك العالمي، إلى أكبر صدمة في إمدادات الطاقة في تاريخ السوق العالمية.

ويبرز هنا تساؤل جوهري حول مدى قدرة العالم على تعويض النفط القادم من منطقة الشرق الأوسط في ظل هذا الانقطاع، حيث تكشف المعطيات الحالية أن الإجابة هي النفي، إذ لا يمكن التعويض بشكل كامل أو فوري، ورغم وجود بدائل جزئية، إلا أنها تظل محدودة السعة، ما يضع الاقتصاد العالمي أمام قفزات سعرية حادة ونقص حرج في الإمدادات.

وحسب تحليل نشره موقع «سي تك»، يجسد حجم الفجوة الهائلة الفرق الشاسع بين التدفقات الطبيعية عبر الشرق الأوسط، وبين المسارات البديلة المرتجلة التي لا تتجاوز كفاءتها 40 % من المستويات المعتادة، إذ إن مضيق هرمز ليس مجرد ممر ملاحي، بل الشريان المركزي للاقتصاد الدولي، وتعطله لا يعني ارتفاع الأسعار فحسب، بل اضطرار العالم لإعادة تشكيل نظامه الاقتصادي تحت ضغوط قاهرة.

بدائل مقترحة

ورغم مرور أكثر من شهر على التوترات التي قوضت الاستقرار الإقليمي، أثبتت البيانات أن البدائل المقترحة عاجزة عن الحلول محل مضيق هرمز بشكل فعّال، ورغم إظهار دول الخليج مرونة استثنائية وكفاءة عالية في إدارة الأزمة عبر تحويل مسارات التصدير، حيث وجهت السعودية صادراتها نحو محطات البحر الأحمر، واعتمدت الإمارات على ميناء الفجيرة، وأحيا العراق مسارات برية، إلا أن هذه الجهود، رغم براعتها، تظل غير قادرة على استيعاب الأحجام الضخمة التي تضمن استقرار السوق العالمية.

والحقيقة الإستراتيجية التي لا يمكن تجاهلها أن المنطقة، وبعد أسابيع من الاستنفار اللوجستي الكامل، لاتزال تصدر نصف حجمها المعتاد فقط، ما يثبت أن شبكة الطرق الالتفافية ليست بديلاً إستراتيجياً مكافئاً، ويبرز الوضع في العراق حجم هذه التحديات اللوجستية القاهرة، حيث لجأت بغداد لتصدير زيت الوقود عبر سوريا، ونقل الوقود بالشاحنات عبر الصحراء؛ وهي إجراءات تعكس حجم المسؤولية التي تتحملها دول المنطقة لضمان وصول الطاقة للعالم رغم الظروف الأمنية المتقلبة والتعقيدات الجيوسياسية الشاسعة.

مرونة تشغيلية

وفي سياق متصل، حاولت شركات الشحن العالمية التكيف عبر ممرات جسر بري، ورغم ما أظهرته من مرونة تشغيلية، إلا أنها ظلت قاصرة عن تلبية احتياجات نقل الكميات الضخمة من النفط والغاز المسال، هذا الارتجال العالمي القسري يأتي بتكلفة باهظة سيتحملها المستهلك النهائي، حيث يحمل كل برميل يتجاوز المضيق علاوة سعرية كبيرة، وقد رفعت مؤسسة «إس آند بي» توقعاتها لأسعار النفط لعام 2026 بنحو 15 دولاراً للبرميل، فضلاً عن تضاعف أقساط التأمين 3 مرات.

علاوة على ذلك، تبرز قيود هيكلية؛ فمضيق هرمز يتيح كفاءة فريدة في نقل النفط والغاز المسال معاً، ما لا يمكن للأنابيب البديلة محاكاته، خاصة فيما يتعلق بصادرات الغاز الحيوية. ورغم تدخل وكالة الطاقة الدولية بسحب 400 مليون برميل من الاحتياطات الإستراتيجية في أكبر عملية في تاريخها، إلا أن هذا الإجراء يظل مسكناً موقتاً لا يمكنه سد الفجوة العميقة التي خلفها غياب تدفقات المنطقة.

ولعل الدرس المستفاد أن نظام الطاقة العالمي لايزال بعيداً عن الاستقرار في ظل عجزه عن إيجاد بديل مكافئ لنفط المنطقة، ما يضع صناع القرار أمام حقيقة حتمية: أمن الطاقة العالمي يمر عبر استقرار الشرق الأوسط.

تحوّل هيكلي

ومن جهة أخرى، يشير تقرير حديث من شركة «وود ماكينزي» إلى أن الاضطراب المطول قد يسرّع توجه الدول نحو استقلال الطاقة لتقليل التعرض للصدمات الخارجية، ما قد يسفر عن خفض الاعتماد على الواردات العالمية بنسبة النصف بحلول 2050.

وهذا التوجه، وإن كان يهدف للأمن، إلا أنه ينطوي على مقايضات مكلفة؛ حيث ستصبح أنظمة الطاقة أكثر محلية وأعلى تكلفة، ما يخلق تحديات تنافسية جديدة للصناعات الثقيلة عالمياً.

وتفترض «وود ماكينزي» سيناريو يبدأ في 2026، يؤدي إلى تراجع الطلب العالمي على النفط والغاز نتيجة منح الحكومات الأولوية لأنظمة الطاقة المحلية مثل الكهرباء والطاقة النووية.

وصرّح براكاش شارما من «وود ماكينزي» بأن العالم قد يتحرك بشكل حاسم وقاطع نحو استقلال الطاقة، وهو تحول يفرض على الدول المنتجة تعزيز إستراتيجيات تنويع الاقتصاد لمواجهة هذه التغيرات الهيكلية في مزيج الطاقة العالمي.

ويرى الخبراء أن أنظمة الطاقة العالمية قد تصبح أكثر انعزالاً وأقل اعتماداً على التجارة الدولية، مع إعطاء الأولوية للتقنيات التي تضمن السيطرة المحلية، ورغم أن هذا المسار قد يقلل الارتهان للإمدادات العابرة للحدود، إلا أنه يفرض علاوة تكلفة هيكلية قد تضعف النمو الاقتصادي العالمي على المدى الطويل.

دول الخليج تستحوذ على مفاتيح استقرار الاقتصاد الدولي

تعكس المعطيات المطروحة مقايضة حتمية بين أمن الطاقة في الأمد القريب وإعادة الهيكلة في الأمد البعيد. وبينما يثبت الواقع الحالي استحواذ دول الخليج على مفاتيح استقرار الاقتصاد الدولي، فإن المستقبل يفرض تحدياً إستراتيجياً يتطلب توازناً دقيقاً بين الحفاظ على ريادة سوق الطاقة وبين بناء اقتصاديات مرنة قادرة على التكيف مع عالم يسعى، وإن بتكلفة باهظة، لتقليل اعتماده على الوقود التقليدي.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي