بدا لبنان، وكأنه يسير على «حبلٍ مشدودٍ» فوق «الجحيم» الذي توعَّد به الرئيس دونالد ترامب، إيران ابتداءً من ليل الثلاثاء - الأربعاء ما لم تكن مساعي «حافة جهنّم» أتاحت تَفاهُماً يوقف تَدَحْرُج المنطقة برمّتها في قلْب الهاوية التي وقعتْ فيها قبل 38 يوماً ورُميت «بلاد الأرز» فيها بعد 48 ساعة.

وفيما كان الشرق الأوسط والعالم مشدوديْن إلى ما تشهده غرفُ الأزمات والعمليات وداخل الغرف المحصّنة من اتصالاتٍ عبر وسطاء لفرْملة «حرب الفيلة» التي تقف على مشارفِ حرْق جسور العودة والتزوّد بـ «طاقة غير تقليدية»، في حال انتقلت الى مرحلة ضرب محطات الطاقة والجسور في إيران وردّتْ الأخيرة بما يماثل على إسرائيل ودول في الإقليم، ساد بيروت انتظار ثقيلٌ لمآلاتِ الساعاتِ العصيبةِ الفاصلة بين حربٍ ضروس مشتعلة وبدا أن مرحلتها الأولى بلغت ذروتها، وبين أخرى أشدّ ضراوة قد تنطلق من خلف ظهْر مفاوضاتٍ وراء الستارة تسابق مهلة فجر الأربعاء وأريد أن تنسج إطاراً لتفاهُم بمرحلتيْن أوّله وقف نار وآخِره تَفاهُم دائم.

ومردّ انشداد بيروت إلى المسار الإيراني أن ما سيرسو عليه في الساعات المقبلة سيتيح انقشاع الرؤية بإزاء اتجاهات الريح على جبهة لبنان الذي انكشف منذ 2 مارس الماضي «فقدانه المناعة» كلياً حيال توريطه في حرب ترفضها الدولة قولاً ولم يمتنع حزب الله عن جرّها إليها فعلاً، ليجد الوطن الصغير نفسه مكشوفاً بالكامل على عاصفة نارٍ لا تبقي ولا تذر.

فإذا انهارتْ مساعي الدقائق الخمس الأخيرة على خط إيران والتزم ترامب، بالمهلة الثالثة باعتبارها «الأخيرة»، فإنّ لبنان سيكون في عين الموجة الجهنّمية من «حرب البقاء» التي تخوضها طهران واستنهضت في سبيلها كل جبهات محورها، ولا سيما ذراعها الأقوى حزب الله الذي كان الإثنين جزءاً من مشهديةِ الضربات المتزامنة على إسرائيل، مع الجمهورية الإسلامية والحوثيين، وذلك من ضمن وحدة مسار ومصير استرهن «بلاد الأرز» وناسها لها وباتت تشظياتها تصيب مختلف المناطق التي كانت تعتقد أنها «آمنة»، وآخرها تلال عين سعادة (المتن الشمالي منطقة مسيحية) حيث سقط 3 مدنيين ( مسؤول حزب القوات اللبنانية في منطقة يحشوش بيار معوض، وزوجته وسيدة كانت تزورهما) بغارة إسرائيلية كانت تستهدف أحد كوادر الحزب في شقة كان استأجرها خفيةً في الطابق الثالث الكائن فوق منزلهما داخل مجمع سكني (المشروع الماروني).

وجاء ردّ إيران على المقترح الباكستاني ورفْضها وقف النار وإصرارها على وقف دائم للحرب، ليعمّق الخشيةَ من عدم القدرة على تدوير زوايا «الفرصة الأخيرة» عبر تَفادي موافقاتٍ مسبقة دائمة سواء في ما خص فتح مضيق هرمز أو عدم العودة الى الحرب أو حتى جدول البحث خلال مفاوضات المرحلة الثانية، علماً أن لبنان كان يَعنيه من أي هدنة هل سيُشمل بها كما تعهّدت طهران لحزب الله، وهو السؤال الذي استجرّ أسئلة بينها هل تقبل تل أبيب بذلك بعدما أرست معادلة الفصل بين الجبهتين بأي وقف نار، وهل تعرقل الجمهورية الإسلامية مجمل المسار الخاص بها كرمى للحزب ولعدم الاستفراد به أم تكتفي بمهادنة الولايات المتحدة حينها من دون إسرائيل، واستطراداً في مثل هذا السيناريو هل كان يمكن لواشنطن أن تقبل بترك الدولة العبرية لوحدها في ملعب نار على جبهتين أو أكثر.

أما لو ارتأى ترامب، التمديد مجدداً لفترة السماح بما يعني استمرار الحرب بنسقها الحالي الذي لا يخلو من منحى تصاعُدي، فإنّ لبنان سيبقى في دائرة النار التي تتمدّد جغرافياً، بالتوازي مع حبْلٍ قامت إسرائيل بـ «لفّه» حول معبر المصنع الحدودي مع سوريا (البقاع) والذي هدّدت منذ السبت بقصفه ما سيعني خنْق بلاد الأرز اقتصادياً وإرساء طلائع حصار بري في ضوء عدم وجود منافذ برية أخرى كفيلة بأن تشكل بديلاً كافياً لعبور البضائع والسلع، تصديراً واستيراداً، وتالياً ربْط الوطن الصغير بالعمق العربي والخليجي تحديداً.

وإلى جانب وضْع المصنع في مرمى النار، التي يحول دون إضرامها حتى الساعة طلب أميركي من تل أبيب بتعليق استهداف المعبر بناء على اتصالاتٍ معها وبعضها من الرئيس السوري أحمد الشرع، إضافة لأصدقاء عرب وغربيين للبنان، فإن إسرائيل «ربطت» مع المرحلة المقبلة، أياً تكن مآلات جبهة إيران، عبر:

- تصعيدٍ متسلسلٍ بغاراتٍ اشتدّت على الضاحية الجنوبية لبيروت وعلى خاصرة العاصمة (الجناح)، وصولاً الى شرقها (تلال عين سعادة).

- ملامح «استراحة» من مزيد من التوغل البري جنوب الليطاني، ربما لزوم انتظار اتضاح الخيط الأبيض من الأسود في ما خص «الحرب الأمّ» وتالياً معاودة ضبْط الأهداف على جبهة لبنان بما يتناسب مع متطلباتِ إدارة معركةٍ تختلف ظروفها ونهائياتها في حال بقيت «إيران القديمة» أو سقطتْ أو تم تدجينها، علماً أن تل أبيب لا تكتفي برصد هذه الاحتمالات بل تنغمس في الإصرار على محاولة التأثير فيها وخصوصاً لجهة عدم السماح بأن يتيح المسار التفاوضي لطهران بأن تعيد «اللعبة القديمة» أي «تغليف» بنديْ البالتسي وأذرعها في المنطقة، أي دورها الإقليمي، بعقدة جديدة هي مضيق هرمز، وقديمة هي النووي، بحيث تجعلهما لوحدهما عنوان مقايضة كاملة مع رفع العقوبات وقفل الباب أمام أي عودة للحرب.

التريث البري

وقد عبّر عن هذا التريث البري، الذي لم يسقط من الحساب إمكان أن يكون في إطار التمهيد لمحاور تَوغُّل أخرى اعتُبر من مؤشراتها تعميق فصل جنوب الليطاني عن البقاع الغربي وقصف بلدات عدة في نطاق هذه البقعة، ما نقلتْه صحيفة «هآرتس» عن مصادر عسكرية إسرائيلية لجهة أن قيادة المنطقة الشمالية تستعد لتعزيز القوات في جنوب لبنان، مع تأكيدات بعدم وجود نية حالياً للتقدم شمالاً نحو عمق الأراضي اللبنانية.

وقالت المصادر للصحيفة «إن قوات الجيش وصلت إلى الخط الأمامي المطلوب وفق الخطط العملياتية المعتمدة، والذي يشمل القرى الواقعة على عمق نحو عشرة كيلومترات، وأن هذه الانتشارات تهدف إلى منع إطلاق الصواريخ المضادة للدبابات على مستوطنات الشمال، وإبعاد تهديد اجتياح (حزب الله) والإطلاق المباشر على المستوطنات، دون الانجرار إلى مواجهة أكثر تعقيدا في لبنان».

وذكّرت بما شهدته الأيام الأخيرة من «فجوة متسعة بين التقديرات العسكرية والتصريحات السياسية في شأن أهداف المعركة، حيث قال مسؤولون عسكريون إنهم لن يفككوا (حزب الله) من سلاحه، قبل أن يتراجعوا عن ذلك في بيان رسمي بالتنسيق مع وزير الدفاع». كما استحضرت ما أقرّ به رئيس الأركان إيال زامير «من أن الجيش يعمل على نزع السلاح من المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، لكنه لم يلتزم بنزع سلاح (حزب الله) في كل لبنان، مؤكداً أن هذا الهدف مستمر وسيتم تعزيزه خلال المعركة الحالية».

فشل عملية عين سعادة

وفي موازاة مشاهد مؤلمة لتفجيرات مروعة قام بها الجيش الإسرائيلي في عدد من مناطق الجنوب بحجة أنها تشكل بنى تحتية لحزب الله، فيما اعتُبرت ترجمةً لقرار جعْل بقعة واسعة جنوب الليطاني «منطقة ميتة» سواء شكلت جزءاً من الشريط العازل الذي تعتزم تل أبيب إقامته أم لا، لم تهدأ تفاعلات استهداف البوارج الإسرائيلية منطقة «تلال عين سعادة» في محاولة لاغتيال قيادي في حزب الله تردد أنه من «آل إبراهيم».

ومع فشل العملية التي أدت إلى سقوط 3 مدنيين بينهم بيار معوض، وزوجته وجارتهما، نُقل عن مصادر (قناة الحدث) أن المسؤول في حزب القوات اللبنانية كان حذر صاحب الشقة من أن شخصاً يتردد إليها، فيما تحدّثت ابنة الضحية عن أن الشقة كانت مسكونة بخلاف ما أشيع عن أنها فارغة، وأن مالكها قال إن من انتقل إليها قريب له.

ولم تمرّ الحادثة من دون تعبير أهالي الحي المستهدف عن غضبهم، وأكد بعضهم أن حزب الله ورط البلاد في حرب لا دخل له فيها، في حين شهد ليل الأحد موجة طرد لنازحين من المنطقة.

وأفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن فشل محاولة اغتيال عنصر من «فيلق فلسطين» في «قوة القدس» الإيرانية باستهداف شقة شرق بيروت وأن «الضربة تسببت بمقتل مسؤول في«القوات»، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه هاجم هدفا في منطقةٍ شرق العاصمة اللبنانية، مشيراً إلى أنه «يجري فحص التقارير التي تتحدث عن وقوع إصابات في صفوف لبنانيين غير متورطين في القتال، مع تأكيد أن جميع تفاصيل الحادثة قيد المراجعة»، ولافتاً الى أن «حزب الله يتموضع داخل مناطق سكنية مدنية ويستغل السكان دروعاً بشرية».

جعجع

من جانبه، قال رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، إن «ما يُعرف بالدولة العميقة في لبنان، من جيش لبناني وقوى أمن داخلي وقضاء، فضّلت أن تترك بعض اللبنانيين يذهبون نحو الانتحار والتهلكة بدل أن تواجههم».

وأشار إلى أنّ الأجواء التي سادت في الفترة الأخيرة تضمّنت تهويلاً كبيراً حول احتمال اندلاع حرب أهلية، مؤكّداً أنّه «عندما تقرّر الدولة القيام بدورها، فلن نشهد حرباً أهلية، بل قد يحصل بعض الإشكالات المحدودة، لأن الدولة هي منظومة مؤسسات وإدارات كبيرة».