التسويف مفيد أحياناً!

فقد نشرت صحيفة «ذا غارديان» مراجعة مطولة لكتاب صدر حديثاً بعنوان «فن التسويف الإيجابي: كيف تؤجل بعبقرية» (The Art of Positive Procrastination: How to Delay Brilliantly) للكاتب والأستاذ في علم النفس الإداري الدكتور ريتشارد ويلز (Richard Wells)، وهو الكتاب الذي يناقض المقولة الشهيرة «لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد».

الكتاب - الذي صدر عن دار نشر جامعة أكسفورد - يقلب المفاهيم التقليدية حول التسويف (procrastination) الذي كان يُنظر إليه دوماً على أنه عيب إداري وضعف في الشخصية، ويجادل يلز في كتابه بأن «التسويف الذكي» يمكن أن تكون أداة قوية للإبداع وتحسين جودة القرارات.

ووفقاً للمراجعة، يستند ويلز إلى أبحاث في علم الأعصاب والاقتصاد السلوكي (behavioral economics) أظهرت أن الدماغ البشري ليس مصمماً للعمل المستمر والتركيز المتواصل، بل إن فترات «التسويف المنظم» (structured procrastination) تسمح للشبكة العصبية الافتراضية (Default Mode Network) بالنشاط، وهي المسؤولة عن التفكير الإبداعي وحل المشكلات المعقدة والتوصل إلى رؤى غير خطية.

ويقدم الكتاب النماذج الأربعة التالية للتسويف الإيجابي:

• التسويف التأملي: تأجيل مهمة ما لساعات أو أيام مع التفكير فيها بوعي أثناء القيام بأنشطة روتينية أخرى (كالمشي، الاستحمام، غسل الأطباق). هذا يسمح للعقل الباطن بمعالجة المشكلة من زوايا متعددة، وهذا يؤدي غالباً إلى حلول أكثر ابتكاراً.

• التسويف القسري: وضع مهمة واحدة صعبة جداً (مثل كتابة فصل كامل من أطروحة) إلى جانب قائمة من 5-6 مهام أقل إلحاحاً. العقل البشري يميل بطبيعته إلى اختيار المهام الأسهل، فينجز تلك المهام بدلاً من التسويف الكامل. النتيجة: أنجزت 80 في المئة من القائمة بدلاً من لا شيء.

• التسويف التعاوني: تأجيل إنجاز مهمة فردية إلى حين الانتهاء من عمل جماعي، وهذا يزيد الشعور بالمسؤولية تجاه الزملاء ويمنع التسويف المطلق.

• التسويف الزمني: تحديد موعد ثابت لبدء المهمة (وليس موعد تسليمها) والسماح لنفسك بالتسويف بحرية قبل ذلك الموعد. هذا يزيل الشعور بالذنب ويقلل التوتر.

ويحذر الكتاب من أن هذه الإستراتيجيات لا تنطبق على المهام الطارئة (مثل استجابة طبية أو طفاية حريق)، ولا على الأشخاص الذين يعانون من اضطراب التسويف المرضي (clinical procrastination) المرتبط بالاكتئاب أو القلق المزمن.

وأورد الكتاب أمثلة، من بينها: بيل غيتس كان يمارس «أسبوع التفكير» مرتين سنوياً، حيث لا يقرأ أي بريد إلكتروني ولا يحضر أي اجتماع، بل يختلي بنفسه للتفكير فقط.

العديد من العلماء (مثل أينشتاين ونيوتن) نسبوا اكتشافاتهم إلى فترات «خمول ظاهر» كانت في الواقع تسويف تأملية.

ويُختتم الكتاب باقتباس: «لا تخجل من التسويف الإيجابي، بل تعلم كيف تسوّف بذكاء. فالعقل المبدع لا يعمل وفق جداول زمنية صارمة».