توقعت شركة الاستشارات العالمية «أكسفورد إيكونوميكس» أن تتسبب الصراعات بالشرق الأوسط في زعزعة أسواق الطاقة العالمية، وتفترض توقعاتها الاقتصادية الأساسية استمرار فترة من الاضطراب في إنتاج الطاقة في المنطقة، وحركة الشحن عبر مضيق هرمز.
وفي خطوة استباقية لتقدير حجم المخاطر، قامت المؤسسة بمحاكاة سيناريو افتراضي تحت مسمى «حرب مطولة في إيران» باستخدام نموذجها الاقتصادي العالمي. وكشفت نتائج المحاكاة عن تداعيات «مقلقة للغاية» على الاقتصاد الدولي، لاسيما في ما يتعلق بمتغيرات الأسعار في أسواق النفط والغاز، وتكلفة التأمين والشحن البحري.
وقامت «أكسفورد إيكونوميكس» بتقييم تداعيات حالة من «الجمود القتالي» بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز فعلياً 6 أشهر. وما يفاقم هذا الوضع توجيه إيران ضربات لمسارات الأنابيب البديلة عبر السعودية والإمارات.
ونتيجة لذلك، ستنخفض إمدادات النفط العالمية نحو 20 مليون برميل يومياً،كما ستتقلص المخزونات التجارية إلى النصف بحلول منتصف العام، لتصل مستويات حرجة الأشهر الثلاثة التالية. ويتوقع أن يقفز سعر خام برنت إلى نحو 190 دولاراً للبرميل في أغسطس، متجاوزاً الرقم القياسي المسجل 2008 والبالغ 147 دولاراً.
أما المنتجات المكررة مثل الديزل ووقود الطائرات ووقود السفن فستشهد ارتفاعات أكثر حدة. وفي الوقت نفسه، سترتفع أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا وآسيا إلى 30 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في الربع الثالث، ما سيؤدي لرفع أسعار الكهرباء وتعقيد جهود ملء مخزونات الشتاء.
وحسب التقرير، فإن فقدان ما يقارب 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية سيؤدي إلى نقص حاد في المعروض واعتماد نظام «المحاصصة» (التوزيع المقنن)، وهي آثار تتجاوز مجرد «تدمير الطلب» الناجم عن ارتفاع الأسعار، وبما أن ثلثي استهلاك النفط العالمي مرتبط بقطاع النقل، ولأن الديزل يمثل العمود الفقري للخدمات اللوجستية التجارية والزراعة والصناعة، فإن هذا الاضطراب سيضرب الاقتصاد عبر قنوات متعددة. كما أن التوزيع المقنن في النصف الثاني 2026 سيقيد النشاط الاقتصادي مباشرة، مما يضاعف من وطأة ارتفاع الأسعار.
وتوقعت أن يصل التضخم العالمي 7.7 في المئة، وهو مستوى قريب من الذروة التي سجلها 2022. ولكن، وخلافاً لما حدث في 2022 حين واصل الاقتصاد العالمي نموه رغم صدمة الأسعار، فإن حدة هذا الاضطراب ستدفع العالم نحو انكماش صريح.
وأضافت «سينخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي منتصف العام، وسيتباطأ معدل النمو السنوي 2026 إلى 1.4 في المئة، أي أقل 1.2 نقطة مئوية عن توقعاتنا الأساسية، قبل أن يحدث تعافٍ متواضع بنسبة 2.1 في المئة عام 2027. وستنزلق الولايات المتحدة ومعظم الاقتصادات المتقدمة الكبرى نحو الركود، بينما سيهبط نمو الصين إلى 3.4 في المئة».
وكانت المرات الأخيرة التي انكمش فيها الاقتصاد العالمي خلال الجائحة والأزمة المالية العالمية؛ لذا فإن هذا السيناريو سيمثل أسوأ تدهور اقتصادي متزامن خلال الـ 40 عاماً الماضية، باستثناء هذين الحدثين.
وستتلقى الاقتصادات الآسيوية المتقدمة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، ضربة موجعة جراء ارتفاع تكاليف استيراد الطاقة واضطراب سلاسل التوريد. وستواجه أوروبا ضغوطاً مؤلمة في أسعار الغاز والكهرباء. أما الولايات المتحدة فسيكون حالها أفضل نسبياً بفضل إنتاجها المحلي من الطاقة، لكن تراجع سوق الأسهم بنسبة تقارب 20 في المئة سيؤثر بشدة على الإنفاق الاستهلاكي.
ويتوقع أن يرفع البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا أسعار الفائدة 100 نقطة أساس هذا العام، مفضلين الحفاظ على مصداقية مكافحة التضخم على حساب النمو. وفي المقابل، يشير النموذج إلى أن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سيقوم بخفض الفائدة، مركّزاً على جانب «سوق العمل» ضمن تفويضه المزدوج مع ارتفاع معدلات البطالة.
وسيكون لهذا التباين في السياسات تداعيات غامضة على الدولار؛ ففروق أسعار الفائدة تشير إلى احتمالية ضعفه، لكن الطلب على «الملاذات الآمنة» في بيئة العزوف عن المخاطرة قد يعوض ذلك، على الأقل في البداية.
لكن ماذا لو ساءت الأمور أكثر؟ رغم أن هذا السيناريو شديد القسوة بالفعل، إلا أن الصدمة قد تكون أكثر تدميراً. فقد يكون نقص الوقود المادي أكبر وأكثر ديمومة مما توقعه النموذج، ما سيؤدي لآثار ارتدادية على التضخم الأساسي ويضع الاحتياطي الفيدرالي أمام مفاضلة أصعب. كما أن تراجع الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، نتيجة لقيود توريد أشباه الموصلات أو تشديد الظروف المالية، قد يؤدي لتعميق الانكماش بشكل ملموس.
والأخطر من ذلك، أن حدوث تجاوزين كبيرين لمستهدفات التضخم خلال 4 سنوات يهدد بزعزعة استقرار التوقعات، ما يرسخ علاوات مخاطر تضخم أعلى في أسعار الفائدة طويلة الأجل، ويجعل الاقتصاد أكثر حساسية من الناحية الهيكلية لصدمات العرض المستقبلية.