قال الرئيس العالمي للتمويل الإسلامي في وكالة فيتش للتصنيف الائتماني بشار الناطور، إن النظرة إلى تأثير الحرب على أسواق الدين في منطقة الخليج يجب ألا تُقرأ فقط من زاوية العلاوات السعرية أو عوائد أدوات الدين، بل من خلال 4 أبعاد رئيسية تشمل التسعير، والسيولة، والنشاط في السوق، والتصنيفات الائتمانية.
وأوضح الناطور، في مقابلة مع «العربية Business»، أن فهم سلوك المستثمرين في هذه المرحلة يتطلب الفصل بين ما يعكسه التسعير السوقي بوصفه تعبيراً عن تصور المستثمر للمخاطر، وبين المخاطر الائتمانية الفعلية المرتبطة بقدرة الجهات المصدرة على الوفاء بالتزاماتها.
ويبدو ما يظهر على صعيد التسعير أو العلاوة المطلوبة من المستثمرين للاحتفاظ بأدوات الدين الخليجية في جوهره، انعكاساً مباشراً لتقدير المستثمرين للمخاطر الحالية، لكنه لا يعني بالضرورة حدوث تراجع جوهري في الملاءة الائتمانية الأساسية للمصدرين في الخليج.
صكوك الخليج
وفي تقييم لتأثير الحرب منذ بدايتها على أسواق الدين في الخليج، جرى النظر إلى سوق الصكوك بوصفها صورة معبرة عن سوق الدين الإقليمي، فإن 84 % من هذه السوق كانت ضمن فئة الدرجة الاستثمارية (Investment Grade)، وهذه النسبة لاتزال حتى الآن عند المستوى نفسه تقريباً.
وكانت النظرة المستقبلية لغالبية المصدرين في السوق الخليجية مستقرة قبل الحرب، إذ بلغت نحو 92 %، لاتزال اليوم تدور حول 90 %، ما يعني أن السوق لم تشهد تحولات جذرية في جودة الائتمان رغم التصعيد الجيوسياسي.
تسعير المخاطر
وتوحي الصورة الآن بأن ما شهدته السوق كان في معظمه إعادة تسعير للمخاطر من جانب المستثمرين، وليس تحولاً حاداً في المخاطر الائتمانية الجوهرية للمصدرين الخليجيين.
وكانت السيولة في السوق، أحد الجوانب التي تأثرت بالفعل خلال الفترة الماضية، وأظهرت المؤشرات التي تعتمدها المؤسسات المالية، وبينها المقاييس المرتبطة ببيانات بلومبرغ، تراجعاً في مستويات السيولة.
ويقاس التراجع من خلال مجموعة عناصر تشمل السعر وأحجام التداول والوقت اللازم لتنفيذ الصفقات، وشهدت هذه المؤشرات تراجعاً خلال الفترة الأخيرة، ما يعتبر تطوراً طبيعياً في ظل بيئة تتسم بارتفاع مستويات التوتر وعدم اليقين. ولا يقرأ انخفاض السيولة بمعزل عن البيئة المحيطة، إذ إن فترات التوتر الجيوسياسي عادة ما تدفع المستثمرين إلى مزيد من الحذر وتقلل من وتيرة النشاط الطبيعي في السوق.
ولم يشهد سوق الإصدارات المقومة بالدولار، نشاطاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة. وهذا التباطؤ انعكس في تراجع الإصدارات الجديدة خلال الأسابيع الماضية، وهو ما يرتبط أيضاً بحالة الترقب السائدة في الأسواق.
ورغم تباطؤ السوق مع تصاعد الحرب، فإن الصورة الكاملة للربع الأول من العام لا يمكن قراءتها فقط من زاوية الأسابيع الأخيرة، لأن الشهر الأول وجزءاً من الشهر الثاني شهدا أداءً قوياً جداً.
وقد تجعل البداية القوية بعض الشرائح داخل السوق تسجل أداءً إيجابياً عند احتساب نتائج الربع الأول بالكامل، في حين أن سوق الصكوك في دول الخليج قد تُظهر استمراراً في الارتفاع أو التحسن عند إغلاق بيانات الربع، بخلاف بعض أجزاء سوق السندات التقليدية التي قد تسجل انخفاضاً، فسوق أدوات الدين بشكل عام (DCM) قد تبدو فيها الصورة مختلطة بين قطاعات حافظت على الزخم وقطاعات أخرى شهدت تباطؤاً.
بدائل تمويلية
ودفعت التطورات الأخيرة بعض الجهات إلى البحث عن بدائل تمويلية، وبدأت حصة التمويل المجمع (Syndication) بالارتفاع مقارنة بالفترات السابقة، وهذه الزيادة تعكس توجه بعض الجهات المصدرة أو المقترضين إلى قنوات تمويل بديلة في ظل التباطؤ الذي أصاب سوق الإصدارات العامة، وهو ما ينسجم مع السلوك المعتاد في فترات عدم اليقين.
وفيما لا يزال مبكراً تقييم التأثير الكلي للحرب على توجه الحكومات الخليجية نحو إصدار أدوات الدين، فإن الصورة النهائية ستتوقف إلى حد كبير على مدى اتساع الحرب وطول أمدها.
فالمنطقة شهدت في السابق أزمات جيوسياسية مختلفة، ورغم أنها لم تكن بالحدة نفسها، فإن أسواق الدين غالباً ما أظهرت ارتداداً سريعاً واستعادت نشاطها خلال فترة وجيزة.
تنويع التمويل
وأكد الناطور أن أحد أهم التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الـ5 الماضية هو أن الاقتراض لم يعد مجرد أداة مرتبطة بحركة أسعار النفط، بل أصبح جزءاً من إستراتيجية تمويلية أوسع لدى كثير من الحكومات الخليجية.
وتبنت حكومات عدة في المنطقة، بغض النظر عن ارتفاع أسعار النفط أو انخفاضها، نهجاً يقوم على تنويع مصادر التمويل وعدم الاعتماد على مصدر واحد فقط.
وهذا التوجه لا يقتصر على الحكومات فحسب، بل يشمل أيضا -بدرجات متفاوتة- البنوك والشركات، وإن كانت طبيعة الحاجة التمويلية تختلف من دولة إلى أخرى ومن قطاع إلى آخر.
وقال إن ما برز بوضوح السنوات الأخيرة وجود إستراتيجيات تمويل طويلة الأجل لدى الحكومات الخليجية، تستهدف الاستمرار في التواجد داخل الأسواق، والحفاظ على منحنيات العائد، وتنويع قاعدة المستثمرين، بدلاً من التعامل مع الاقتراض كأداة ظرفية ترتبط فقط بمرحلة انخفاض أسعار النفط.