ذكر تقرير صدر أخيراً عن شركة «iClub» أن الحرب وقت لا يمكن التنبؤ به، حيث يختفي اليقين بالمستقبل، ما يجعل القرارات المالية محفوفة بالمخاطر بشكل خاص، موضحاً أنه في أوقات السلم، يميل المستثمرون إلى التفكير على المدى الطويل، معتبرين خيارات مثل الأسهم والعقارات والشركات الناشئة أدوات أساسية، إلا أن زمن الحرب يغير هذا المنطق تماماً، حيث تصبح الأولوية القصوى الحفاظ على رأس المال وضمان السيولة، ومن ثم البحث عن العوائد.
وتساءل التقرير عن الوجهة الأمثل لاستثمار الأموال خلال فترة الحرب، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي للمستثمر في هذه الظروف ليس تحقيق أرباح سريعة، بل الحفاظ على الأموال وضمان توفرها بسهولة في جميع الأوقات. وعليه، أكدت الشركة أنه من الأفضل اختيار أدوات منخفضة المخاطر، حتى لو كانت عوائدها محدودة.
وأشار التقرير إلى أن السندات الحكومية المحلية تمثل خياراً كلاسيكياً يُعتبر من أكثر الأدوات موثوقية في أوقات الأزمات، كونه يحظى بضمانة الدولة كضامن رئيسي، مبيناً أن هذه الأوراق المالية توفر حالياً عوائد أعلى من المصرفية وتوفر حماية ضد التضخم، ما يمنح المستثمر المتمرس فرصة للجمع بين الثقة والاستقرار والدخل المتوقع نسبياً.
الملاذات والسيولة
ويعتبر الذهب والمعادن النفيسة أصول ملاذ آمن حافظت تاريخياً على قيمتها بالفترات المضطربة، والحرب ليست استثناءً؛ إذ يرتفع طلب الذهب عادةً، ويعمل كدرع واقية ضد تراجع قيمة العملات الوطنية. كما لفت التقرير إلى أن النقد (الدولار واليورو) يُعد ركيزة أساسية للأمن المالي، حيث يعمل كمستودع للقيمة وأداة للمرونة في آن واحد.
وبالحديث عن العقارات في المناطق الآمنة، أشار التقرير إلى أنه رغم احتمال انخفاض الطلب أثناء الحرب، فإن شراء العقارات السكنية أو التجارية في مدن أكثر استقراراً يمكن أن يكون شكلاً من أشكال حماية رأس المال للمستثمرين على المدى الطويل، مؤكداً أنها إستراتيجية للحفاظ على الأموال وليست مجرد مضاربة.
أما الودائع المصرفية، فرغم كونها أقل مرونة من العملات أو الذهب، إلا أنها توفر دخلاً من الفوائد وسهولة في التعامل، مع ضرورة اختيار البنوك التي تندرج ضمن نظام يحظى بدعم الدولة، وخلص التقرير في هذا الجانب إلى أن قاعدة «مخاطرة أقل، توتر أقل» هي التي تنطبق في زمن الحرب، حيث تصبح الأدوات التي تبدو متواضعة في وقت السلم ضرورية في أوقات الأزمات.
فروق دقيقة
وشدد التقرير على نقاط جوهرية عدة، منها أن أهمية السيولة تزداد بشكل كبير؛ فالأدوات التي تبدو جذابة في الظروف العادية بسبب عوائدها العالية قد تفقد جاذبيتها إذا تعذر تحويلها بسرعة إلى نقد، لذا يبحث المستثمرون عن حلول تتيح لهم البقاء مرنين.
وأشار إلى أن أهمية التنويع ترتفع أكثر، حيث إن الاحتفاظ بجميع الأموال في أصل واحد أو بلد واحد يعد مخاطرة كبيرة جداً، وبناءً عليه، يبدأ حتى المستثمرون الأفراد في تنويع رؤوس أموالهم بين العملات والبنوك والذهب أو العقارات.
وفي هذا السياق، يضيف مستثمرو رأس المال المغامر بُعداً آخر وهو الجغرافيا؛ فإذا لم يكن للشركة الناشئة وصول إلى السوق الدولية أو مكتب في الخارج، فإن مخاطر المشروع تصبح جسيمة. ومع ذلك، لفت التقرير إلى أن الحرب تخلق مجالات نمو فريدة، حيث يتركز الطلب في مجالات الأمن والطب والخدمات اللوجستية والطاقة، ما يفتح فرصاً لاستثمارات جريئة تتطلب قدرة عالية جداً على تحمل المخاطر.
ونبّه التقرير إلى أن آفاق التخطيط تصبح أقصر، فبينما كان يمكن سابقاً تطوير إستراتيجية تمتد من 5 إلى 10 سنوات، فمن الحكمة الآن التفكير في أطر زمنية تتراوح من بضعة أشهر إلى سنة، مؤكداً أن الانضباط النفسي المفتاح؛ فعندما تسود حالة من الذعر، يسهل الاستسلام للمشاعر مثل سحب جميع الأموال أو شراء مبالغ نقدية زائدة أو خوض مخاطر بناءً على الإشاعات، إلا أن القدرة على التفكير بهدوء هي التي تميز المستثمر الناجح.
الأصول الاستثمارية
وحول الودائع البنكية والعملات الأجنبية، ذكر التقرير أن قيمتها تظهر بوضوح في أوقات الحرب لأنها توفر الاستقرار والقدرة على التنبؤ، والميزة الرئيسية الدخل المضمون والضمانات الحكومية التي تقلل مخاطر الخسارة. ونصح التقرير بتجنب الودائع الطويلة الأجل واختيار فترات أقصر مع خيار التمديد.
أما بالنسبة للمعادن النفيسة، أكد التقرير أن الذهب لا تنخفض قيمته بنفس قدر الأموال الورقية أثناء التضخم، وغالباً ما ترتفع في الأزمات، مشيراً إلى إمكانية الاستثمار في الفضة والبلاتين والبلاديوم لتنويع الأصول الدفاعية، وأن الذهب يُدرج عادةً بنسبة 10-20 % من المحفظة لحماية القوة الشرائية.
وعن العقارات، وصفها التقرير بأنها أصول صلبة، لكنه حذر من أن الوضع يتغير في الحرب، ما يتطلب فهماً واضحاً للموقع الجغرافي كمعيار أساسي (الأمن، البعد عن القتال، واحتمالات التعافي). منوهاً إلى أن العقارات أقل سيولة أثناء الحرب ويجب استثمار الأموال التي يمكن تحمل تجميدها لسنوات فقط، مع مراعاة تكاليف التأمين المرتفعة.
وحول السندات الحكومية، أشار التقرير إلى أنها أصبحت أداة استثمارية رائجة لأنها تقدم استقرار الضمانات الحكومية وعوائد أعلى من الودائع. ومع ذلك، نبه إلى مخاطر التضخم وتخفيض قيمة العملة التي قد تؤثر على الدخل الحقيقي، وخص بالذكر «سندات الحرب الأوكرانية» كشكل من أشكال الدعم مع عائد مضمون وإعفاءات ضريبية.
أما العملة والنقد أكد التقرير أن الدولار واليورو يظلان «طوق نجاة» ووسيلة عالمية مقبولة، لكنه حذر من مخاطر الاحتفاظ بمبالغ نقدية كبيرة من الناحية الأمنية وتأثير التضخم العالمي، ونصح بالموازنة بين النقد السائل والحسابات البنكية.
خيارات بديلة
واستعرض التقرير فرصاً أقل وضوحاً مثل الاستثمار في المشاريع الخاصة (الخدمات اللوجستية، الأمن المعلوماتي، الغذاء) أو الاستثمار في التعليم وتطوير المهارات لزيادة القيمة في سوق العمل، مشيراً إلى الأدوات المالية الدولية عبر وسطاء أجانب كخيار لتوزيع المخاطر جغرافياً، بالإضافة إلى الأصول الملموسة مثل الأراضي الزراعية والتحف والأعمال الفنية.
استخدام التنويع كدرع واقية
أكد تقرير«iClub» أن زمن الحرب فترة تتوقف فيها الاستثمارات عن كونها مجرد مسألة عوائد، لتصبح إستراتيجية لبقاء رأس المال، مشدداً على ضرورة التفكير بمنطق «تجنب الخسارة» بدلاً من «تحقيق الربح»، مع التركيز على إنشاء احتياطي سيولة يغطي نفقات المعيشة لأشهر عدة، واستخدام التنويع كدرع واقية، والحفاظ على الانضباط العاطفي.
وأكد التقرير أن مَنْ ينجح في الحفاظ على موارده خلال هذه الأوقات الصعبة سيكون لديه ميزة هائلة في مرحلة التعافي والتنمية بعد النصر، فاستثمار اليوم بذكاء هو تأمين لمستقبل أفضل.