لا يوجد مدخل أفضل لهذا الموضوع من كلام صاحب السمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد الذي يشيد في كلّ مناسبة «بالمكانة الدولية المرموقة التي تتبوّأها المملكة العربية السعودية الشقيقة، وما حقّقته من إسهامات حضارية وإنجازات تنموية مُتواصلة، ودورها البارز في دعم الأمن والاستقرار وتعزيز السلام في المنطقة»، ومن إبداء اعتزازه الدائم بديمومة العلاقات الأخوية الحميمة والوثقى التي تجمع أسرتي الحكم الكريمتين على تعاقب الأزمان.
من المدخل إلى المضمون، كُلّ الشكر للسلطات في المملكة العربية السعودية على مُساهمتها في تسخير مطاراتها لمُساعدة الكويت في ضمان انسيابية نقل جوي عبر شركة طيران الجزيرة وغيرها. وهذا الأمر ليس غريباً على الشقيقة الكبرى التي تحتضن أشقاءها في الأزمات والمُلمّات وتُسهّل أمورهم وتُعامل الخليجيّين مُعاملة السعوديّين.
ومن الجوّ إلى الأرض، خبر مرّ قبل أيام عن عدد الشاحنات التي مرّت من السعودية إلى الكويت وكلّ دول الخليج مُحمّلة بكلّ ما تحتاجه هذه الدول، وهي 52 ألفاً و78 شاحنة. الخبر يتحدّث عن الشاحنات التي عبرت من 2 مارس إلى 16 مارس 2026، أي أنّ العدد من الطبيعي أن يكون زاد قبل نشر هذا المقال بما يتجاوز الـ 25 ألف شاحنة. 25614 شاحنة وصلت إلى دولة الإمارات و7440 شاحنة إلى قطر و11024 شاحنة إلى الكويت. كما استقبلت البحرين 8 آلاف شاحنة.
ومن الجوّ والأرض إلى البحر، إذ دشّنت المملكة مُبادرة المسارات اللوجستية في ميناء جدة، لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد وضمان استمرار تدفّق التجارة في البحر الأحمر والخليج.
لم نكن بحاجة للاطلاع على هذه الأرقام كي نتأكّد أن المملكة هي رئة الكويت والخليج التي نتنفّس منها في أهون الظروف وأصعبها. هو تصرّف الكبار الذي لم يتغيّر ولم يخضع لأيّ مُعطى من مُعطيات الاختلاف والتباين في وجهات النظر. هناك خطر؟ نحن معاً. هناك ضيقة؟ نحن معاً. هناك ظروف أدّت إلى ما يشبه الحصار؟ نحن نكسر الحصار ولا نرتاح إلّا إذا كان مواطنو دول الخليج والمقيمون فيها مُطمئنّين إلى الإمدادات براً وبحراً وجواً.
ورغم ما نالها من اعتداءات آثمة ومن غدر الجار، إلا أن المملكة أبت أن تُغيّر من نهجها الداعم للأمن والاستقرار في المنطقة، ليس بالمعنى العسكري فقط بل بالمعنى الاجتماعي والغذائي والاقتصادي. كانت وستبقى الرئة التي تنفّست منها الكويت ودول الخليج، بل أكثر من ذلك هي الرئة التي تنفّس منها حتى العراق عبر استخدام مطار عرعر رغم أن بعض الاعتداءات التي طالت المملكة كانت من ميليشيات في العراق ولاؤها لخارج العراق.
هو نهج الكبار، نهج دفع بقادة المملكة إلى تسيير مسار سياسي مُتلازم مع مسار الأمن الاجتماعي والغذائي والاقتصادي، من أجل بلورة حلول للحرب القائمة، وربما كان اللقاء الوزاري التشاوري في الرياض خير من عبّر عن ذلك عبر البيان الذي جاء حازماً في لغته واضحاً في أهدافه وأهمها أن دول المنطقة لن تقف مُتفرّجة أمام تهديد مُقدّراتها. تحدّثت المملكة هنا باسم كلّ دول مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر ولبنان وسوريا وباكستان وتركيا وأذربيجان مُطالبة إيران بالعمل الجاد على مُراجعة حساباتها الخاطئة، كما أكّدت أن مُستقبل العلاقات مع إيران يعتمد على احترام سيادة الدول، وعدم التدخّل في شؤونها الداخلية أو الاعتداء على سيادتها وأراضيها بأيّ شكل من الأشكال، أو استخدام إمكاناتها العسكرية وتطويرها لتهديد دول المنطقة، من دون أن يغفل بيان اللقاء التشاوري خطر الميليشيات التابعة لإيران في المنطقة.
وكي نكون صادقين مع أنفسنا، في العلاقات بين الدول هناك الكثير من الشعارات والبيانات العاطفية والعبارات المُعلّبة سلفاً عن وحدة المسار والمصير والتعاون والتلاحم وما إلى غيره. وهذه الشعارات تسقط عند أول اختبار في منطقة الاختلاف السياسي أو الاقتصادي، لكن ما تُقدّمه المملكة العربية السعودية يصحّ فيه القول إنه أقرب إلى المدرسة منه إلى النموذج. مدرسة في الحرص على المبادئ، ومدرسة في ترجمة مبدأ التعاون، ومدرسة في التعالي عن التباينات أيام الأزمات... هي الشقيقة الكبرى الحريصة على اسمها ودورها، والحريصة على أبناء دول مجلس التعاون كحرصها على أبنائها، وهي الدولة السند التي قدّمت دروساً عن تلازم مسارات الحكمة والشجاعة والعطاء في الوقت نفسه.
وطالما أن المملكة رئة الكويت والخليج، فالكويت والخليج بخير... رغم كلّ صافرات الإنذار وتوابع الشرّ.