تعد وسائل التواصل الاجتماعي اليوم من أبرز أدوات توجيه الرأي العام.

اقتحمت هذه المنصات حياتنا، وأصبح العالم كله في هاتفك، وكل ما يخطر ببالك تجده حاضراً أمامك؛ بعظمته وبهائه، أو بسخفه وتفاهته، غير أن الأخير غالباً ما يكون أشد اشتعالاً وانتشاراً.

وأُشبه هذه المنصات بالشوارع؛ ففيها العاقل، وفيها المجنون. ولأنها فضاء مفتوح، أصبح الرأي فيها يُطرح بلا مسؤولية.

فما أن يثار أي موضوع، حتى تشاهد فوهات الشتائم ترمي من هنا، وقذائفُ القذف تقذفُ هناك، وأسئلةٌ تبدو لك براءتها، ولكن في واقعها هي مزرعة ألغام غايتها الاستفزاز وإشعال الجدل طلباً للانتشار أو الاسترزاق.

وفي الجانب الآخر تصفيق حار، وتطبيلٌ مبالغ فيه، لا لسلامة الرأي، بل لموافقته الأهواء؛ وذلك لأن ميزان هذه المنصات مختل.

فترى فريقاً يطالب بالتساهل والتراخي، وترى آخر يطالب بالتقييد والاحتجاز، بل وربما دعا إلى الإعدام لمجرد رأي.

فهل أصبح الرأي يقاس بالشهوة أم يقاس بالعقل؟ أم بالحزبية والتوجهات الفكرية؟ في هذه المنصات تختلط الأمور، وتتشابك الآراء، فكل فريق يطالب بحقه في إبداء رأيه، ويرفع شعار احترام الرأي الآخر، لكنه في المقابل يطالب بقمع من خالف هواه.

وفي هذه الحرب التي دخلت أسبوعها الثالث، كثرت الآراء والتحليلات وتباينت، وكثيرٌ منها مُرّ؛ لأنها ترسم مشاهد محتملة لا تروق للجميع. لكن المشكلة ليست في مرارتها، بل في أن بعض الناس لا يناقشها، وإنما يسارع إلى شيطنتها وتحقيرها، أو بالأحرى «تحميرها».

في الغالب لا يناقشون الرأي نفسه، بل يزجّون بالتاريخ الفكري لصاحبه، فيحوّلون الخلاف إلى شخصنة، ثم يطالبون بإسكاته والحجر على رأيه. أما إن وافقهم، قالوا: إنه يمثل نفسه، ومن حقه أن يغيّر اجتهاده.

وهذه الحالة تُسمّى دغمائية؛ وهي التمسك بالرأي تمسكاً أعمى، مع إقصاء النقاش ورفض المراجعة، ولو كان الرأي الذي يتبناه باطلاً.

ومع الأسف، طغى حضور الدغمائيين وأصحاب الحسابات الوهمية في هذه المنصات، حتى علا فيها صوت الغوغاء، وخبا صوت العقل، وغابت الحكمة، وتطايرت التهم من كل حدب وصوب بلا أدلة حقيقية؛ فأشعلوا نار الفتن، وأكثروا من التجريح وتشويه السمعة، حتى ازدحمت المحاكم، بعدما توهم البعض أن الاسترزاق الإلكتروني طريق إلى الثراء.

إن النقد الحاد يبعث على التساؤل؛ لماذا هذه الفجاجة في النقاش؟ إلا أنه زلزل تصوراتهم الموروثة، أو كشف أوهامهم؟ أم لأنه حطم أصنامهم التي صنعوها لأنفسهم، وأظهر الحقائق عارية أمام أعينهم؟

إنّ حرية التعبير المسؤولة حقٌّ تسمو به الحياة، وتعتز به الدولة؛ إذ لا نهضة بلا كشفٍ للخلل، ولا كشف للخلل من غير تعبيرٍ مسؤول عنه.