من يكره الكويت؟

تصغير
تكبير

في زياراتي المتكررة لمانشستر، كنت أستمتع بالحديث مع زميلات وزملاء ابنتي الكويتيين الذين درسوا معها طب الأسنان. بنات وشباب بعمر الورد ولون الورد ورائحة الورد وأحلامهم وردية عن مستقبلهم في الكويت. متألقون علمياً، عاشوا تجربة الجامعة والمستشفيات والغربة بقلب كويتي، أي بالقيم التي غرست فيهم وميزت الكويت عن غيرها من الدول. عقول متقدة، واعدة، أصحابها يستعجلون العودة لترجمة ما تعلموه وخدمة بلدهم ومجتمعهم... حديثهم عن الخير، وعن السلم والسلام، وعن عاداتهم الحلوة، وعن عشق اللحظات اليومية ومواكبة التطور. هذه لا تريد لابنها في المستقبل أن يصبح طبيب أسنان بل طبيب عيون، وأخرى تريد لابنها أن يتخصص في التكنولوجيا المتقدمة، وثالث يعتبر أن تدريب ابنه على احتراف كرة القدم أفضل له من أي مهنة، ورابع يتحدث مع زملائه عن ضرورة العمل في وزارة الصحة قبل الشروع في فتح عيادات خاصة، يريدها منذ الآن مشتركة بين أكثر من طبيب تخصص معه.

أعيش في الكويت منذ 31 عاماً، وقبلها عشت عشر سنوات في لندن وقبلها فرنسا وقبلها لبنان... ولم أجد الراحة والسعادة والسكينة كما وجدتها هنا. اخترت هذه المقدمة للإجابة عن سؤال «من يكره الكويت؟» من خلال هؤلاء الشباب والشابات.

هذه هي الكويت، انسانها نصب عينها في الدرجة الأولى. جيل من المتعلمين يسلم الراية لجيل يلحقه. وجيل من المتحضرين المؤمنين بثقافة الحياة يمارس واجباته في مد الجسور مع جيل يلحقه. وجيل من عاشقي بلدهم يزرع حب المواطنة والوحدة والتآلف والتآخي مع شركائهم في البلد والحاضر والمستقبل. هؤلاء كويتيون فقط. مذهبهم وطائفتهم وقبيلتهم الكويت... يتحدثون منذ الآن عن كيفية توجيه أبنائهم علمياً كما تم توجيههم هم أنفسهم من قبل ذويهم. يتحدثون عن خدمة البلد عبر مؤسساته، وعن خدمة المهنة وتطورها عبر التفكير في تضافر الجهود لتحقيق نتائج أفضل.

من يكره الكويت؟

يكرهها كل من يفضل تصدير الثورة وتبديد الثروة على استيراد العلم والمعرفة.

كل من ينزعج من مؤشرات التنمية والتوظيف الكفؤ لمصادر الخير في خدمة الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض، وكل من حوّل مصادر الخير مصادر شر عبر دعم ميليشيات تهدد استقرار الدول الآمنة، بحجة التوسع الإقليمي، ومقارعة قوى عظمى.

كل من يكره الوحدة المجتمعية، وثقافة الحياة في الكويت، وتحصين الاستقرار، ويفضل ثقافة الموت، وضرب الاستقرار، وهز الوحدة المجتمعية، عبر خلق تشكيلات عابرة للحدود، تسيء لأوطانها من جهة، وتتناقض مع شركائها من جهة أخرى.

كل من رأى كيف تفتح دولة صغيرة قلبها الكبير لكل من أراد العيش بكرامة على قاعدة العطاء الاقتصادي والوظيفي واحترام القانون، وفضل هجرة مواطنيه بمئات الآلاف للعمل خارجاً. دول تستقطب كفاءات، ودول تطرد كفاءات.

كل من لمس رسالة الخير والدعم والمؤازرة والمساعدة. يكفي أن صواريخ ومسيرات العدوان الإيراني الآثم الغادر، تنهمر على الكويت، وفي الوقت نفسه، تبرع 138 ألف شخص لدفع ديون غير القادرين على السداد، مجمعين في يومين نحو 50 مليون دولار، لمصلحة الدائنين.

ويكره الكويت كل من شاهد آلاف المتعلمين الكويتيين في أرقي جامعات أوروبا وأميركا وكندا، وهم يرفعون الرأس بالتفوق، ويخططون منذ الآن كيف سيكملون مسيرة البناء، وكيف سيسلمون أبناءهم مقاليد إرث تنموي وطني، قائم على المحبة والتضامن والخير، فيما الحاقد يزرع في الجيل القادم ما زرعه من سبقه في جيله. أي كم عنصر سيدخل «الحرس»؟ ومن سنرسل لتدريب الجماعات في اليمن والعراق ولبنان وغزة؟ ومن هم على لائحة الاغتيالات؟ ومن هم الأشخاص الأقدر على تنفيذ المهمات...؟ حاصراً توجيهاته العلمية في تخصيب نووي، ومنشآت كيماوية، وتصنيع صواريخ ومسيرات.

الحقد على النموذج وقود الكره.

العجز عن مجاراة النموذج -رغم الإمكانات الضخمة التي يملكها- يمنع التراجع عن مسار الكره.

صمود النموذج -رغم كل أشواك المسيرة-... يؤجج الكره.

حمى الله الكويت، من حقد الحاقدين، وكره الكارهين، وكيد الكائدين.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي