قيم ومبادئ

مضيق هرمز بين الأمس واليوم!

تصغير
تكبير

تتلاقىٰ فكرة الدولة العميقة مع الروح الفارسية بهذا الإرث التاريخي الممتد عبر (الإمبراطورية الأخمينية) عام (550 ق م) (والامبراطورية الساسانية) المنسوبة للكاهن الزرادشتي ساسان، عام 224 ميلادي (والامبراطورية الصفوية ومؤسسها اسماعيل شاه عام 1501 ميلادي) التي امتد نفوذها الى حدود روسيا والهند شرقاً وجنوباً وغرباً إلى بلاد الشام، واستمرت 250 سنة تقريباً إلى أن سقطت عام 1736 ميلادي على يد القائد العثماني المظفر سليمان القانوني. حيث تولدت فكرة الدولة القومية المركزية التي تدير مجتمعاً واسعاً ومتعدد الثقافات والمذاهب السياسية فتبلورت فكرة الحرس الثوري الإيراني- في النظام الحديث - ومجلس صيانة الدستور! ومجلس المستضعفين في الأرض!

جاءت هذه المؤسسات لتخدم (القومية الفارسية + الايديولوجيا الدينية) وعلى هذا الأساس جرت مفردات الخطاب الرسمي الإيراني لإعزاز تاريخ إيران القديم مع السعي لاستعادة نفوذها الإقليمي مع مبدأ - الغاية تبرر الوسيلة - وشعار الاستقلال عن القوى الكبرى! مع استغلال فكرة المظلومية في التاريخ الإسلامي القديم!

واستطاع النظام الإيراني (بديماغوجية وغوغائية) الاستمرار رغم العقوبات والاحتجاجات والضغوط الدولية... ومازالت الدولة العميقة في إيران تعتقد انه يمكن استعادة دور هذه الامبراطوريات القديمة التي سيطرت على مناطق واسعة في الشرق الأوسط وآسيا.

لذلك، تولد في الشعب الإيراني بطوائفه كافة فكرة أن إيران قوة حضارية كبرى وليست مجرد دولة عادية (انظر مثلاً مادة التاريخ التي تدرس في مدارس إيران) فجاءت الايديولوجية لتحرك هذه المؤسسات (الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس) لكي تدير العلاقات مع قوى وحلفاء في اليمن والعراق ولبنان وسوريا وباكستان، على مدى أربعة عقود أهلكت الحرث والنسل، عانت منها البشرية الإنسانية وهذا ما جعل الرئيس الأميركي ترامب وهو يسير في سياسة قريبة جداً من حلفاء واشنطن الذين يرون أن إيران خصماً رئيسياً لذلك تبنّى (البيت الأبيض) سياسة الضغط الأقصى ضد إيران!

ويعتقد البعض أن هذا الصراع اليوم هو امتداد تاريخي للصراع بين الفرس والروم؟ والسبب في ذلك ان هذا الصراع يدور غالباً في المناطق نفسها تقريباً التي تشهد تنافساً اليوم (العراق - سوريا - لبنان - فلسطين – وربما اليمن) وهذا ما جعل بعض المفكرين يرون نمطاً تاريخياً متكرراً!

ولا يمكن التعويل على هذا التحليل لمعطيات عدة، أولها أن أميركا ليست الوريث الشرعي الوحيد لـ(الإمبراطورية الرومانية)... كما أن إيران ليست الوريث الشرعي الوحيد (للإمبراطورية الفارسية).

حقاً لقد انتهى الصراع التاريخي بين هذه الامبراطوريات في الفتح الإسلامي المظفر بقيادة سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه.

فقد أمر أبوبكر الصديق، الخليفة الراشد، القائد خالد بن الوليد، التوجه إلى جنوب العراق فتوجه خالد، بجيوش المسلمين إلى ان وصل - الحفير - حيث تصدى له هرمز، القائد الفارسي فدارت المعركة في منطقة قريبة من (كاظمة) انتصر فيها المسلمون وقُتل هرمز... ولما تولى الخلافة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ندب سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه للتوجه إلى بلاد فارس وإلى (المدائن) تحديداً، فالتقى وفد الصحابة رضي الله عنهم مع ملك الفرس يزدجر، فعرضوا عليه الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، غير أن قادة الفرس ظنوا أن جنوح الجيش الإسلامي إلى اللين والموعظة الحسنة في المجادلة والمناظرة راجع إلى ضعف دولة الخلافة الراشدة! وذلك بسبب استهزاء قادة الفرس بجزيرة العرب واحتقارهم لهم مع جهلهم بالإسلام ودولته الفتية؟

فلم يزعموا لدعوة الإسلام لتحقيق الأمن والسلام في المنطقة ففشلت المفاوضات وتعقدت الأمور، فسار سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، بالجيش إلى ان نزل في (القادسية) وقوام الجيش تقريباً 36 ألفاً... وتولى قيادة جيش الفرس، رستم الفرخزاد الأرمني، فدارت رحى الحرب التي استمرت أربعة أيام حسوماً بنصر حاسم للمسلمين غنم المسلمون غنائم كثيرة ودخلوا قصر كسرىٰ، وتحققت بشارة النبي، صلى الله عليه وآله وسلم لهم (يوم الخندق) بدخول مدائن كسرىٰ وحملوا راية فارس الكبرىٰ وهي راية مصنوعة من جلود النمور طولها اثنا عشر ذراعاً على خشب طوال، وكانت مرصعة بالياقوت واللؤلؤ وقد أرسلت في موكب رهيب إلى مقر الخلافة الراشدة في المدينة النبوية.

ويرىٰ المؤرخ عبدالحسين زرين كوب، في كتابه (قرنين من الزمان - طهران - 2009 صفحه 43) أن القادسية أخّرت ظهور الثقافة الفارسية في المشرق لمدة تزيد على قرنين من الزمان.

كانت فاصلة حضارية كبرى جعلت الفرس يتوارون خلف الدولة الجديدة والتاريخ يُعيد نفسه كما يُقال. وهذه الايديولوجية جعلت إيران بمعزل عن العالم وتعيش في أحلام تخطاها الزمان بمراحل! والعالم من حولها يتقدم وهي تتأخر القهقرىٰ.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي