«وقل رب زدني علماً»

أخي العزيز...

خلق الله سبحانه وتعالى الناس وجعلهم متفاوتين ومتناقضين في كل الأحوال، هذا غنى وهذا فقير، هذا طويل وهذا قصير، هذا أسمر وهذا أبيض، هذا سمين وهذا نحيف، هذا سهل وهذا صعب، وغيرها من الصفات. وكل هذه الصفات وغيرها جزء من اختبار الله لنا في الحياة الدنيا لمن يعيها ويدركها.

وهناك صفتان لم أذكرهما لـ«حاجة في نفس يعقوب» كما يقول المثل، ألا وهما الكرم والبخل، طبعان فيهما تناقض واضح، كما في الحالات الأخرى، نأتي على البخل، وهو موضوعنا اليوم، فقد جبلت النفس البشرية على حب الذات، كلنا يحب نفسه، ويحب لها الراحة، يحب لها المال، يحب المركز، يحب الأولاد، يحب ويحب... فالمحبوبات كثيرة لا تنتهى، وهي ليست مكروهة إن كانت من حلال؛ لأن نفعها يعود على صاحبها، والمكروهات كثيرة أيضاً، ولكن ضررها يعود على صاحبها أيضاً.

ومن الصفات المكروهة في الإنسان صفة البخل، فترى ذلك الرجل الغني يملك المال الكثير، يقتر على نفسه وعلى أولاده وعلى إخوانه الفقراء، من باب أولى؛ ففاقد الشيء لا يعطيه، ترى لماذا يبخل هذا الإنسان؟! هل السبب هو الخوف على ماله أن ينفد؟ أم على مكانته في المجتمع أن تهتز؟ هل هو الظن بأن البخل ذكاء وفطنة وتدبير لأمور الحياة الدنيا؟ أم عدم استشعار ما ينتظره يوم القيامة؟ أم هو طول الأمل والتشبث بالحياة الدنيا؟! قد تكون جميع هذه الأمور تتحكم في ذلك الإنسان، هل تعلم أيها البخيل بأن رزقك مكتوب وأجلك مكتوب؟ هل تعلم بأنك ستحاسب على مالك عند موتك؟ بينما غيرك سيتمتع به؟ أخي البخيل! أعطيك مثالاً على بخلك أنت كمن يملك نهراً جارياً وأولاده سيموتون من العطش وهو يبخل عليهم بقطرة ماء، أعطهم يا أخي، بل أعط الفقراء والمحتاجين، فإن الله سيعوضك في الدنيا والآخرة، واترك سوء ظنك بالله، وأحسن الظن به، فقد قال سبحانه في محكم التنزيل «من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها» أي إذا دفعت ديناراً في الدنيا -طبعاً يكون مالاً حلالاً لا نتكلم عن الحرام- فسوف يعوضك الله بعشرة دنانير، هذا في الحياة الدنيا، وفي الآخرة لك الأجر العظيم، فتربح في الدنيا قبل ربح الآخرة.

وخذ هذه الآية الكريمة أيضاً «وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين» وانظر إلى تعبيره تعالى بقوله «من شيء» انظر التبعيض هنا تجده يعنى أي شيء، ولو تمرة واحدة، فسوف يعوضها الله سبحانه، فإن خزانته لا تنفد، وكما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لبلال، يوما (أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً)، نعم كن كريماً تكن قريباً من الله، ومن عباده، فرِّح أهل بيتك لكي يدعوا لك بطول العمر وحسن الخاتمة، فرِّج عن المحتاجين لكي يكثروا الدعاء لك بظهر الغيب، تصدق... ابن مساجد لكي تكون لك بيوت كثيرة في الجنة، اكفل اليتامى لكي تحظى بمحبة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- اعمل على أن تكون لك الدرجات العلا في الجنة، فأنت في دار بلاء ولست في دار بقاء، فكر في ما قلناه آنفاً، وتوكل على الله، وهو خير الرازقين، شكراً لكم... وعلى الكرم نلتقى بإذن الله.