بعد هذا التاريخ المديد، المجدول على خصائل الحكمة وضفائر الجَلَد، والمشغول بحياكة أيدي أهل الخير والإبداع، والمعمول بمناشير ومطارق صناع السفن والأسفار، ما زال بعضهم يجهل سر الرقم الصعب الذي تمثله الكويت... رقم لا يقبل القسمة، ولا ينكسر تحت القسوة، ولا يتصاغر في معادلات القوة. إنه رقم إذا دخل في ميزان الإقليم أثقل موازينه، وإذا حضر في معادلات العالم غير حساباته، حتى صار عنوان حقبة يدونها المؤرخون بمداد القلم، ويستعيد أمثلتها الراسخون كعلم عن عَلَمْ. وهذه ليست مبالغة قلب يشتعل على جذوة حب للوطن، بل شهادة عقل يقرأ حركة الزمن، ويدرك ترانيم التاريخ وما لحن.

حين حاولت الدولة العثمانية أن تبسط هيمنتها على الكويت، كان الشيخ مبارك الكبير رحمه الله على موعد مع التاريخ، فأدخل رقم الكويت في ميزان الصراع بين قوتين عظميين، بريطانيا والدولة العثمانية. يومها لم تكن الكويت رقعة قابلة للتنازع، بل إرادة تُصاغ، فمال الميزان، وتبدلت المعادلة، وانبثق من ذلك التوازن كيان مستقل، كان بذرة نظام إقليمي جديد، تشكلت في ظله دول وكيانات في أرجاء المنطقة.

وحين اجتاح الغزو العراقي الغاشم أرض الكويت، نهضت الإرادة من بين الركام، ووقف الشيخ جابر الأحمد، أميراً للقلوب ومعه أعضاده من رجالات الدولة، الشيخ سعد، والشيخ صباح، والشيخ نواف، رحمهم الله، فصنعوا مع شعبهم الكويتي ملحمة من الصبر والعزم والنصر، وحشدوا للكويت زخماً دولياً لم يعرف له التاريخ الحديث مثيلاً، حتى غدت تلك اللحظة مفصلاً متحركاً وفصلاً ناطقاً لنظام دولي جديد، وعنواناً لمرحلة تغيّرت فيها موازين القوى ومفاهيم القوة والشرعية والسيادة.

لست بحاجة إلى أن أقلب صفحات تاريخ الكويت صفحة صفحة، ولا أن أستعرض وقائعه حادثة حادثة، فالتاريخ نفسه يشهد أن أي اعتداء عليها لا يزيدها إلا قوة، ولا يورثها إلا صلابة. فالكويت في الشدائد جسد واحد اشتد عوده مع بصر الزمان، وقلب واحد استثير نبضه في صدر المكان. الكويت... من استصغر مساحتها جهل سعة أثرها وموروثها، ومن استهان بقوتها غفل عن صلابة جذعها وعمق جذورها، ومن أراد بها شراً وجدها تصنع من المحن خيراً، ومن جهل ماضيها تعلم من حاضرها، ومن حاول شق صفها اصطدم بمناعة بنيانها، وعراقة حكمها، ووفاء شعبها.

واليوم، أمام الاعتداء الإيراني ومن أي جهة كانت مسبقاً أو ستكون مستقبلاً، دائماً تقف الكويت بكل أطيافها الاجتماعية والثقافية، صامدة لا تنحني، وثابتة لا تنكسر. يقف أبناؤها كتفاً إلى كتف، وصدراً إلى صدر، يذودون عنها بقلوب لا تعرف التردد، وبأرواح لا تخشى الخطر ولا التبدد، ينشدون شرف الدفاع عنها كما ينشد المجاهد فجر النصر، ويتسابقون إلى حمايتها كما يتسابق الابن البار إلى حضن والدته بفارغ الصبر.

وفي مواجهة كل تهديد تقف الكويت خلف قيادة صاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد الصباح، حفظه الله ورعاه، وقفة اصطفاف جنود الحرب والسلام، ويتحدون المخاطر جسداً واحداً وقلباً واحداً وصوتاً واحداً، يهتفون باسمها، ويحتضنون علمها، ويقسمون أن تبقى أرضها عزيزة أبية يتشرفون بالموت دونها.

الكويتيون، لا يثنيهم هدير الصواريخ، ولا يرهقهم صخب الطائرات، ولا يردعهم دوي المدافع مهما بلغ لهيبها واشتد عتوها.

فالكويت ليست دولة صدفة، ولا كياناً عابراً في دفاتر الجغرافيا، بل حدث مضيء انبثق منه تاريخ، وكأن حولها سياجاً من العناية، وغلافاً من القدر، يحفظها من الانكسار ويصونها من الاندثار. فيها حُكم يدرك معنى الحكمة، وشعب يعرف معنى الوفاء، وكلاهما يؤمن أن الحق قد يتأخر لكنه لا ينكسر ولا يتخلف، وأن النصر قد يطول طريقه لكنه لا يضل وجهته وإن تدلف.

الكويت لا تبدأ الحروب لأنها لا تعرف الاعتداء، ولا تسعى إلى الصراع لأنها تعرف قيمة السلام. لكنها، وعبر تاريخها، أثبتت أن من يجبرها على دخول ميدان المواجهة، إنما يستدعي رقماً صعباً لا يقبل القسمة، ولا يرضى الهزيمة، رقماً إذا دخل في معادلة غيرها، وإذا حضر في صراع حسمه، وإذا وقف في وجه العاصفة خرج منها أصلب عوداً، وأمضى عزماً، وأبقى أثراً.

تلك هي الكويت... رقم صعب في معادلات التاريخ، وصوت صريح، وموقف ثابت في ضجيج عالم متغير مليء بالمتناقضات، الكويت ستبقى وطناً متمسكاً بمبادئه، إذا اشتد الخطب ازداد توهجاً، وإذا توالت عليه الخطوب ازداد رسوخاً، وذهباً كلما خدش ازداد بريقاً. وليعلم كل من يضمر للكويت سوءاً أو يسعى لإثارة الفتن بين أبنائها، أنه لا اصطفافات فيها ولا طوابير، بل طابور واحد يصطف فيه الكويتيون جميعاً صفاً مستقيماً لا أمت فيه ولا عوج، في وحدة وطنية واحدة، خلف قيادة شرعية واحدة.

«رحم الله شهداءنا الأبرار وأنزلهم في جنات الخلد مع الأنبياء والصالحين».