لم تنتهِ معركة تحرير الكويت، التي قاد جبهتها الإعلامية الراحل الشيخ سعود الناصر الصباح، عندما كان سفيراً للكويت في واشنطن أثناء الغزو العراقي عام 1990. فقد لعب دوراً محورياً في تحريك الرأي العام العالمي عبر جهود دبلوماسية وإعلامية مكثفة، قاد خلالها واحدة من أكبر حملات العلاقات العامة في تاريخ الدبلوماسية الكويتية، حتى استحق عن جدارة لقب «صوت الكويت الصدّاح»، وكان أحد أبرز أبطال معركة التحرير.
غير أن تلك المعركة لم تتوقف عند حدود التحرير العسكري، بل استمرت في ميادين أخرى. فقد كان للشيخ سعود الناصر، دور بارز في تأسيس وقيادة منظومة الإعلام الخارجي، بهدف تحصين قضية سيادة دولة الكويت وضمان عدم تكرار الاعتداء عليها، إلى جانب متابعة ملفات ما بعد الغزو، وفي مقدمتها قضية تعويضات الغزو، وكذلك القضية الإنسانية المتعلقة بالأسرى والمرتهنين.
وقد استند في هذا الدور إلى خبرة سياسية ودبلوماسية عميقة؛ إذ تدرّج في السلك الدبلوماسي سفيراً للكويت في لندن حتى مطلع الثمانينات، ثم سفيراً في واشنطن حتى عام 1991، قبل أن يتولى حقيبة وزارة الإعلام بعد التحرير. ولا تزال بصماته حاضرة في الإعلام الكويتي والخليجي حتى اليوم، خصوصاً أنه كان من وضع الحجر الأساس لمقر مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي في الكويت، إيماناً منه بوحدة المصير الخليجي وأهمية العمل الإعلامي المشترك.
واليوم، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة الاعتبار لدور الإعلام الخارجي، والتعامل مع وزارة الإعلام بوصفها إحدى أدوات الدفاع الوطني. فالإعلام في زمن الأزمات لم يعد مجرد نقلٍ للأخبار، بل أصبح جزءاً من منظومة حماية المصالح الوطنية، وصناعة الرواية التي تُقدَّم للعالم.
ومن هنا، تبرز ضرورة توحيد الصوت الكويتي في الخارج ضمن أجندة إعلامية منسجمة مع الصوت الخليجي والعربي، خصوصاً في ظل التهديدات الإقليمية المستمرة، وفي مقدمتها التهديدات الإيرانية، مقابل صمت أو تجاهل من بعض الدول العربية قبل الأجنبية تجاه ما تتعرّض له دول الخليج العربي من اعتداءات واستفزازات.
ولا شك أن لدى كثير من الإعلاميين الكويتيين نوايا وطنية صادقة وحماساً للمبادرة والقيام بدورهم في الدفاع عن وطنهم، غير أن هذه الجهود غالباً ما تبقى مبادرات فردية عشوائية غير ممنهجة، ما يقلل من تأثيرها ويحدّ من قدرتها على تحقيق الأثر المطلوب. وفي المقابل، تظهر أحياناً أصوات تتحدث باسم الكويت عبر قنوات خارجية، قد تخدم خصوم البلاد من حيث لا تقصد، إما بسبب تحليل غير دقيق، أو تركيز على قضايا تُستخدم خارج سياقها بما يضر بالمصلحة الوطنية.
ومن هنا، تبرز أهمية تنظيم الخطاب الإعلامي وتوجيهه ليكون أداة دفاع حقيقية عن الوطن، وعن سيادة أراضيه، وحقه في الأمن والاستقرار، وحق المنطقة بأسرها في العيش بسلام.
فالإعلام في مثل هذه الظروف ليس ساحة للفوضى أو الارتجال، بل سلاح وطني حساس يجب أن يُستخدم بخطاب متزن ومسؤول، حيث تُوزن الكلمة جيداً قبل أن تُقال، لأن أثرها قد يتجاوز حدود اللحظة ليصل إلى صورة الوطن ومكانته في العالم
وفي المقابل، يُحسب للإعلام الأمني في هذه الأزمة أنه أدى دوره بمسؤولية عالية، واستطاع إيصال الرسالة المطلوبة بوضوح واحترافية، الأمر الذي أسهم في بث الطمأنينة في نفوس المواطنين، وقطع الطريق أمام مثيري الفتن ومروّجي الإشاعات، كما فوّت الفرصة على من يحاول استغلال وسائل التواصل أو إساءة استخدام الهاتف في نشر معلومات غير دقيقة، سواء بقصد أو من غير قصد.
غير أن الصورة تبدو مختلفة في جانب الإعلام السياسي، الذي ما زال بحاجة إلى قدر أكبر من التنظيم والتنسيق، حتى يكون خطابه منسجماً مع المصلحة الوطنية، وقادراً على مواكبة حساسية المرحلة، وتقديم رسالة واضحة ومدروسة تعكس موقف الدولة وتحمي مصالحها.