توقعت «إي إف جي هيرميس» ارتفاعاً طفيفاً وقصير الأمد في تكلفة المخاطر لدى بنوك الخليج، مدفوعاً بتراجع النشاط التجاري، وضعف الاستهلاك العائلي (تراجع ثقة المستهلك)، إضافة إلى تأثر قطاعي السياحة والسفر بشكل خاص في الإمارات، مرجحة أن تكون قطاعات تجارة الجملة والتجزئة والعقارات والنقل والضيافة والخدمات الأخرى الأكثر تضرراً من النزاع الإقليمي.
تكلفة المخاطر
وأوضحت أن احتمالية اقتراب تكلفة المخاطر لدى البنوك الخليجية من مستوياتها التاريخية المسجلة 2020، تظل مرهونة بمدة استمرار النزاع وتبعاته على سوق العمل، خصوصاً فئة الوافدين، كما يرتبط ذلك بمدى مرونة النشاط المحلي في التعافي، واستعادة ثقة قطاع الأعمال، واستئناف الحركة السياحية والتجارية بمجرد انحسار التوترات الإقليمية واستقرار الأوضاع الأمنية.
وتاريخياً، أظهر نمو القروض في دول الخليج ارتباطاً وثيقاً بمستويات الإنفاق الحكومي وأسعار النفط. ومع وصول سعر برميل خام برنت 100 دولار، وهو مستوى يتجاوز أسعار التعادل، يرجح أن تسهم أسعار النفط المرتفعة في تعويض أثر خفض الإنتاج على الإيرادات السيادية، ما يتيح لحكومات المنطقة مواصلة دعم اقتصاداتها عبر السياسات المالية.
أما على صعيد المصارف الإماراتية، فمن المرجح أن تكون الأكثر عرضة لعمليات إعادة تقييم جوهرية نحو خفض تقديرات نمو الائتمان قصير الأجل، ويأتي ذلك بعد فترة من الزخم القوي المدفوع بانتعاش القطاعات غير النفطية، والنمو السكاني المطرد، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، فيما يتوقع أن يمتد هذا التأثير ليشمل الإيرادات غير الفوائد (الدخل من الرسوم والعمولات) خلال 2025، نتيجة تباطؤ وتيرة منح الائتمان الجديد، وانخفاض عوائد بطاقات الائتمان، وهدوء نشاط أسواق رأسمال الدين (DCM)، لا سيما في المدى المنظور.
التمويل الأجنبي
وتُعد النظم المصرفية في كل من قطر والإمارات الأكثر اعتماداً على التمويل الخارجي ضمن دول الخليج، وبالتالي قد تكون الأكثر عرضة لمخاطر تخارج الودائع، ومع ذلك، تستبعد «هيرميس» حدوث سحب كبير لودائع غير المقيمين طالما احتفظت الحكومات والبنوك الخليجية بتصنيفاتها الائتمانية القوية، وبالنسبة لقطر، حيث تشكل ودائع غير المقيمين 20 في المئة من إجمالي الودائع انخفاضاً من 30 في المئة عام 2022، تبرز سوابق تاريخية تؤكد تقديم الحكومة دعماً قوياً للسيولة المحلية في أوقات الأزمات.
وتظهر تقديرات «هيرميس» لمستويات السيولة والتمويل في القطاع المصرفي الخليجي بنهاية 2025، أن البنوك الكويتية سجلت أدنى نسبة اعتماد على التمويل الخارجي مقارنة بنظيراتها خليجياً بنسبة قاربت 13 في المئة. والمقصود هنا التمويل الخارجي إلى إجمالي الأصول حيث يشمل التمويل الخارجي التعاملات بين البنوك، وودائع غير المقيمين، والصكوك، والسندات، والقروض متوسطة الأجل.
اقتصاد حيوي
ومقارنة مع نظيراتها خليجياً، استفادت البنوك الإماراتية على مدار العامين الماضيين من نمو قوي في الودائع، مدفوعاً بنشاط اقتصادي حيوي ونمو سكاني مطرد (شمل انتقال الأفراد ذوي الملاءة المالية العالية من مناطق جغرافية أخرى)، وتتمتع هذه البنوك بمركز سيولة مريح للغاية مقارنة ببقية المصارف الخليجية، حيث استقرت نسبة القروض إلى الودائع في القطاع المصرفي الإماراتي عند نحو 75 في المئة عام 2025.
وتظهر بيانات «هيرميس» أن نسبة القروض إلى الودائع في الكويت بلغت 111 في المئة حسب تقديرات ديسمبر 2025. ما يضع الكويت في المرتبة الثانية بعد قطر (137 في المئة) وقبل السعودية (110 في المئة) والإمارات (75 في المئة).
وعلى صعيد الإستراتيجيات قصيرة الأجل، ترجّح «هيرميس» كفة البنوك السعودية، نظراً لكون الاقتصاد غير النفطي في المملكة أقل تأثراً بالنزاعات الإقليمية، فضلاً عن انخفاض اعتماده على السياحة، وتدني مخاطر تراجع تقديرات نمو القروض مقارنة بنظيراتها في الإمارات والكويت وقطر.
تباطؤ النمو
ومع توقعاتها بأن تصبح زيادة تكلفة المخاطر، وتباطؤ النمو الائتماني، وضعف تدفقات الدخل من الرسوم والعمولات، هي السمات الغالبة على القطاع بشكل عام؛ أكدت «هيرميس» تفضيلها في المدى القصير للمؤسسات التي تتمتع بقاعدة ودائع محلية صلبة، وسجل حافل بجودة الائتمان، وقدرة عالية على استيعاب الخسائر الائتمانية (عائد أعلى على الأصول)، مع الحفاظ على مستويات كافية من كفاية رأس المال.
وشهدت أسواق الأسهم الإقليمية ضغوطاً ملموسة منذ اندلاع النزاع، وهو أمر كان متوقعاً في ظل التصعيد الإقليمي الأخير. ومع ذلك، لم تكن حدة التأثر موحدة؛ إذ أظهرت السوق السعودية تماسكاً ملحوظاً محققةً مكاسب طفيفة، بينما واجهت أسواق مثل الإمارات ومصر الضغوط الأكبر، ما يعكس ارتفاع علاوة المخاطر وتراجع آفاق الأرباح، وسجلت المملكة نمواً بنسبة 1.2 في المئة منذ بداية النزاع، ما يعكس طابعها «الدفاعي» النسبي مقارنة بدول مجلس التعاون الأخرى نظراً لامتلاكها خط أنابيب «شرق-غرب» الذي يتيح لها استمرارية تصدير 70 في المئة من نفطها.
وفي حين حافظت الكويت على استقرارها بشكل عام، سجلت قطر تراجعاً بنسب متوسطة (خانة واحدة)، بينما منيت مصر بهبوط تجاوز 10 في المئة، متأثرةً بصدمة تضخمية متوقعة في مرحلة ما بعد الحرب، وسط ارتفاع أسعار النفط والتأثير المحتمل على قطاع السياحة وإيرادات قناة السويس.
وبالمثل، أظهرت سوق الإمارات حساسية سعرية أكبر تجاه هذه الاضطرابات في المدى القريب، نظراً لمكانتها الراسخة كمركز عالمي للتجارة والخدمات اللوجستية والسياحة والطيران. فذات التنوع الاقتصادي الذي عزز أداءها المتفوق على المدى الطويل، جعلها أكثر تأثراً بالصدمات المرتبطة بـمضيق هرمز، ما يظهر في تسعير السوق بشكل أوضح مقارنة بالاقتصادات ذات الانكشاف الخارجي الأقل.
وعلى الصعيد العالمي، تعرض مؤشر «إم إس سي آي للأسواق الناشئة» لضغوط الفترة نفسها، وإن اختلفت الدوافع، فمن وجهة نظر «هيرميس»، تشكلت التغيرات الإقليمية أساساً عبر قنوات التأثر المباشرة بتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، وليس بفعل عوامل المخاطرة العامة للأسواق الناشئة. وبناءً عليه، ظلت الأسواق الأكثر ارتباطاً بالطلب المحلي أو عوائد السلع الأساسية أقل تأثراً بتبعات النزاع.
وقدرت «هيرميس» أن تؤدي صدمة النزاع الإقليمي في الشرق الأوسط إلى تقليص نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة تتراوح بين 0.8 إلى 1.5 نقطة مئوية، مع احتمالية تفاقم هذا الأثر على معدلات النمو في حال طال أمد النزاع.
النفط المرتفع يسهم في تعويض دول الخليج عن خفض الإنتاج
ذكرت «هيرميس» أن أسعار النفط المرتفعة ستسهم في تعويض دول الخليج وبفائض ملموس عن خفض الإنتاج، ما يعزز مراكزها المالية وقدرتها على مواجهة الصدمات الناجمة عن النزاع الإقليمي.
وبيّنت أن الإمارات والسعودية هما الأكثر استفادة من هذه الصدمة السعرية، بينما تبقى قطر والكويت الأكثر عرضة للتأثر في ظل توقف الإنتاج الفعلي أو المحتمل.
وأضافت: «رغم الملاءة المالية القوية، سيواجه الاقتصاد غير النفطي بوضوح تحديات معاكسة نتيجة حالة عدم اليقين التي تثقل كاهل الاستهلاك الخاص، فضلاً عن اضطرابات حركة السفر التي تضر بقطاعي السياحة والطيران الحيويين، لا سيما خلال موسم الذروة الحالي».