في خضم الحرب متعددة الجبهة، تتجه الأنظار بشكل حاسم نحو الجبهة الشمالية، حيث تعمل إسرائيل على حشد قواتها وتصعيد خطابها التهديدي استعداداً لعملية برية وشيكة واسعة النطاق في جنوب لبنان.

الخطط العسكرية جاهزة، وتتحدث عن استخدام خمس فرق على الأقل بهدف السيطرة على المنطقة حتى نهر الليطاني، بدعم أميركي واضح.

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً، كما يطرحه المحللون أنفسهم، يبقى هو كيف ستخرج إسرائيل من هذه المناورة بنجاح بعد أن توغلت في «وحل» لبنان، في وقت لا تزال فيه جبهة إيران مشتعلة؟

التحشيد العسكري

وتشير التقارير الإسرائيلية والأميركية إلى أن الجيش الإسرائيلي يستعد بشكل جدي لاحتمالية الدخول إلى لبنان في أكبر عملية برية منذ حرب 2006، حيث إن الخطط العسكرية تتحدث عن إمكانية استخدام خمس فرق عسكرية تعمل بشكل متوازي، بهدف أساسي هو إضعاف «حزب الله» ودفع الحكومة اللبنانية إلى وضع يمكنها فيه من نزع سلاح التنظيم.

هذا الحشد الضخم، الذي تتولى إدارته بشكل رئيسي الفرقة 91 (فرقة الجليل)، يشمل وحدات مدرعة ومشاة في حالة جهوزية كاملة للانتقال من الوضع الدفاعي إلى الهجومي فور صدور الأمر السياسي.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن الجيش عزز وجوده داخل الأراضي اللبنانية، حيث ارتفع عدد المواقع العسكرية إلى 23، مقارنة بخمسة مواقع فقط قبل بدء التصعيد الأخير، مما يؤكد استراتيجية التوغل التدريجي.

وتشمل التحضيرات نشر الفرقة 98 ولواءين قتاليين، إلى جانب تعبئة احتياط من الفرقة 252، وقد شهدت بلدات حدودية مثل الخيام وميس الجبل توغلات محدودة، في خطوات توصف بأنها «استطلاع قتالي».

ونقل موقع «أكسيوس»، عن مسؤولين إسرائيليين وأميركيين تأكيدهم أن العملية تهدف إلى السيطرة على كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، ودفع مقاتلي «حزب الله» شمالاً، وتفكيك بنيتهم التحتية العسكرية.

وقال مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى، «سنفعل ما فعلناه في قطاع غزة»، في إشارة إلى تدمير المباني التي تعتبر إسرائيل أن الحزب يستخدمها لتخزين الأسلحة.

على الصعيد السياسي، حصلت إسرائيل على ما تصفه بـ«الدعم الأميركي الكامل» لهذه العملية، حيث قال مسؤول أميركي «على الإسرائيليين أن يفعلوا ما يجب فعله لوقف نيران حزب الله».

لكن هذا الدعم ليس مطلقاً، إذ طلبت إدارة الرئيس دونالد ترامب من إسرائيل تجنب قصف مطار بيروت الدولي أو البنى التحتية الحكومية الرئيسية، على أن تُقيّم الأهداف الأخرى كل حالة على حدة.

تحول الإستراتيجية

وحتى أيام قليلة مضت، كانت حكومة بنيامين نتنياهو تحاول احتواء التصعيد على الجبهة اللبنانية للتركيز على إيران. لكن هذا الحساب تغير جذرياً الأربعاء الماضي، عندما أطلق «حزب الله» أكثر من ألفي صاروخ في هجوم منسق مع إيران، حيث أوضح مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى أنه «قبل هذا الهجوم، كنا مستعدين لوقف النار في لبنان، ولكن بعده لا عودة عن عملية واسعة النطاق».

وهدد وزير الدفاع يسرائيل كاتس صراحة بأنه إذا لم تقم الحكومة اللبنانية بنزع سلاح الحزب، فإن إسرائيل «ستأخذ الأرض وستفعل ذلك بنفسها»، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو «أمر الجيش بالاستعداد لتوسيع النشاط العسكري في لبنان».

السيناريوهات والأهداف المعلنة والخفية

وتعلن إسرائيل رسمياً أن هدف عمليتها هو إبعاد «حزب الله» عن الحدود وتفكيك بنيته العسكرية في جنوب الليطاني، بما يضمن عودة سكان الشمال إلى منازلهم بأمان.

لكن التحليلات الاستراتيجية تشير إلى أبعاد أبعد تتضمن تعويضاً إستراتيجياً طالما أن الإنجازات في إيران «ليست حاسمة ومطلقة»، كما كتب عاموس هرئيل في صحيفة «هآرتس»، مشيراً إلى أن نتنياهو «بحاجة إلى تعويض في لبنان».

فرض واقع سياسي جديد

كما تسعى إسرائيل إلى استغلال الظروف الحالية لفرض ترتيبات أمنية وسياسية جديدة في لبنان، حيث تشير تقارير «أكسيوس» إلى أن واشنطن تأمل أن تؤدي الضغوط العسكرية إلى مفاوضات أوسع قد تنتج اتفاقاً ينهي رسمياً حالة الحرب بين إسرائيل ولبنان.

احتلال طويل الأمد

وحذّر محللون يحذرون من أن عملية بهذا الحجم قد تؤدي إلى وجود إسرائيلي طويل الأمد في جنوب لبنان، يشبه الاحتلال الذي استمر 18 عاماً (1982 - 2000).

حرب استنزاف

ورغم التفوق الجوي الإسرائيلي الواضح، إلا أن «حزب الله» أظهر قدرة على إعادة ترميم هياكله القتالية، حيث حذر الأمين العام نعيم قاسم قائلاً: «عندما يهدد العدو باجتياح بري، نقول له هذا ليس تهديداً، بل أحد الفخاخ التي ستقعون فيها»، ما يعكس استعداد الحزب لتحويل المعركة إلى حرب استنزاف طويلة في القرى الجنوبية المكتظة..

ولا يقتصر التحدي الإسرائيلي على قدرات «حزب الله» فحسب، بل يمتد إلى العبء المتراكم على قوات الاحتياط التي استُدعيت مراراً منذ أحداث 7 أكتوبر 2023.

ونقل هرئيل معاناة ضباط وجنود في فرق الاحتياط الذين تلقوا أوامر بالانتقال الفوري إلى غزة، في وقت تتباطأ الحكومة في معالجة إشكاليات التجنيد.

على الصعيد الإنساني، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء واسعة في جنوب لبنان شملت للمرة الأولى مناطق شمال نهر الليطاني وأيضاً في الضاحية الجنوبية لبيروت.

وتشير التقديرات اللبنانية إلى أن نحو مليون ألف لبناني أجبروا على الفرار من منازلهم، فيما تجاوزت حصيلة القتلى 773 شخصاً، كثير منهم مدنيون، في حين حذرت منظمات انسانية من أن توسيع العمليات البرية قد يفاقم الأزمة الإنسانية في بلد يعاني بالفعل من انهيار اقتصادي حاد.

مفاوضات تحت النار

ورغم التهديدات العسكرية، هناك مساع دبلوماسية موازية، حيث إن نتنياهو كلف المستشار رون دريمر بالإشراف على الملف اللبناني، بما في ذلك الاتصالات مع واشنطن وأي مفاوضات مستقبلية مع بيروت، بينما يدير الملف من الجانب الأميركي مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترامب، الذي كان على اتصال مع مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين وعرب.

وأكدت تقارير أميركية - إسرائيلية أن لبنان أبدى استعداداً للدخول في مفاوضات سلام مباشرة مع إسرائيل، لكنه يشترط وقف النار أولاً.

وتأمل واشنطن أن تؤدي هذه المفاوضات المحتملة إلى اتفاق أوسع ينهي رسمياً حالة الحرب بين إسرائيل ولبنان، ومع ذلك، يصر «حزب الله» على موقفه الرافض للحلول الدبلوماسية طالما استمرت العمليات العسكرية.

«الضوء الأخضر» المشروط

وتقف إسرائيل على أعتاب قرار مصيري بالتوغل برياً في لبنان... فقد باتت الأهداف العملياتية معلنة، لكن الإحراج الاستراتيجي الناتج عن تعثر الحسم في إيران يضع صانع القرار الإسرائيلي أمام معادلة صعبة.

وستكشف الأيام المقبلة ما إذا كانت تل أبيب ستقدم على الاجتياح كحل لـ «تعويض» الإنجاز المفقود سياسياً واقتصادياً في إيران، أم أن الضغوط الدولية والمخاوف من الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة في لبنان ستفرض مساراً تفاوضياً، يجنب المنطقة سيناريو احتلال جديد وحرب استنزاف تهدد استقرار المنطقة لسنوات قادمة.