مع دخول الحرب أسبوعها الثالث، يبدو المشهد أكثر تعقيداً مما توقع صُنّاع القرار في واشنطن وتل أبيب. فبينما حققت الضربات العسكرية المشتركة إنجازات تكتيكية غير مسبوقة، أبرزها اغتيال المرشد الأعلى الإيراني السيد علي خامنئي وعشرات القيادات في غضون ثوانٍ، تتصاعد التساؤلات حول القدرة على تحقيق الأهداف الإستراتيجية الكبرى.
في هذا السياق، يقول تسفي برئيل في صحيفة «هآرتس» إن الحرب تتحول تدريجياً من حملة ذات أهداف محددة إلى «حرب استنزاف غير متكافئة ثلاثية الأطراف، حيث يدور صراع محتدم حول الرواية وتعريف النصر». فبينما تحتاج إيران إلى «عدم الخسارة» للبقاء، تحتاج الولايات المتحدة إلى «نصر شامل» لتجنب الخسارة السياسية.
الإنجازات التكتيكية
في كشف دراماتيكي، نشر رونين بيرغمان ويوفال روبوفيتش في ملحق «7 أيام» بصحيفة «يديعوت أحرونوت» تفاصيل جديدة عن اللحظات الحاسمة التي سبقت الضربة الافتتاحية. فبعد خطط معقدة استمرت شهوراً، كان الموعد المقرر للهجوم مساء السبت في 28 فبراير، لكن معلومات استخبارية دقيقة أفادت بأن اجتماع المجلس الأعلى للدفاع الإيراني، الذي يضم كبار القادة، قد تم تقديمه إلى صباح اليوم نفسه.
ويضيف التقرير: «بلغ الضغط ذروته: كان لا بد من تقديم موعد إقلاع الأسطول الجوي الكامل للجيشين بنحو 12 ساعة. وقد فعل الجيش الإسرائيلي ذلك، لكن الجيش الأميركي، الذي لا يُعدّ من أكثر الأجهزة مرونة في العالم، اضطر هو الآخر إلى تقليص جداوله».
لم تكن المفاجأة الوحيدة هي تقديم الموعد، بل إن المعلومات أشارت إلى أن خامنئي سيكون في مقر إقامته داخل مجمع «باستور» في توقيت انعقاد المجلس. هذه «فرصة تاريخية، من غير المرجح أن تتكرر»، كما ورد في التقرير.
ويضيف بيرغمان: «بفضل اختراق استخباراتي دقيق، وتكنولوجيا مبتكرة، وتخطيط مُحكم، وطيارين خاطروا بحياتهم مراراً وتكراراً، تعرّض نظام آيات الله لـ 40 عملية اغتيال في 40 ثانية». وكان من بين الضحايا، بالإضافة إلى خامنئي، رئيس الأركان محمد شيرازي، محمد فاخبور، وزير الدفاع بالوكالة عزيز ناصر زاده، قائد القوات المسلحة عبدالرحيم موسوي، بالإضافة إلى قيادات أمنية واستخبارية كبرى.
أهداف الحرب
مع تصاعد العمليات، يبرز السؤال حول الهدف النهائي للحرب. في مقال افتتاحي بصحيفة «يديعوت أحرونوت»، يكتب تساحي هنغبي أن القيادتين الأميركية والإسرائيلية راهنت على أن الضربات الجوية ستشعل احتجاجات شعبية واسعة تطيح بالنظام.
لكنه يشكك في ذلك، مشيراً إلى أن «حجم القوات التي توجد تحت تصرف النظام، حتى لو قتل منهم الآلاف أو خرجوا عن الخدمة، يبقى هائلاً. فما لا يقل عن مئات الآلاف منهم سيشاركون في المعركة على حياتهم، وهم لن يترددوا في أن يعودوا للقتل وبشراسة عن النظام مثلما فعلوا في الماضي».
هذا التشاؤم يعكس إدراكاً متزايداً بأن «تغيير النظام» قد لا يحدث بين عشية وضحاها.
في المقابل، تقدم نيتسانا درشان - لايتنر، رئيسة منظمة «خط العدالة»، في صحيفة «إسرائيل اليوم» رؤية بديلة تقوم على «إلحاق الضرر بمال النظام ومداخيله».
وتقول: «تجربة السنوات الأخيرة تفيد بأن نظام آيات الله يعرف كيف ينجو من القصف والعقوبات والتهديدات. ما كفيل بتحديه أكثر هو الضرر بماله».
وتضيف أن إستراتيجية «ملاحقة الأصول المالية للنظام الإيراني في أرجاء العالم» من خلال قرارات محاكم أميركية لصالح ضحايا الإرهاب، هي «طريقة عمل قامت بها الحكومة الإسرائيلية ضد السلطة الفلسطينية وحركة حماس معاً بمصادرة مخصصات الضرائب التي تجمعها إسرائيل نيابة عن السلطة في المعابر والموانئ وكذلك على كل السلع»، مشيرة إلى الاستيلاء على مبنى في الجادة الخامسة بنيويورك وأصول أخرى بمليارات الدولارات.
«منافسة الرواية»
رغم النجاح العسكري في تدمير قدرات صاروخية وبالستية كبيرة، يشير برئيل إلى أن «الإنجاز الاستراتيجي الأهم» الذي حققته إيران حتى الآن هو إغلاق مضيق هرمز وتهديد الملاحة النفطية العالمية.
ويضيف: «حققت إيران إنجازاً إستراتيجياً مهماً بإغلاق مضيق هرمز، حتى قبل الإعلان الرسمي عن إغلاقه، حيث تمكنت من وقف حركة الملاحة في الخليج كلياً عندما هددت بالمس بناقلات النفط».
هذا التطور يضع الولايات المتحدة في موقف حرج، خصوصاً أن «وعد ترامب بتوفير مرافقة عسكرية لناقلات النفط لم يتحقق حتى الآن».
ويرى برئيل أن المقارنة مع حرب الخليج الثانية (غزو العراق 2003) «مضللة»، لأن القوات البرية الأميركية لعبت دوراً حاسماً هناك، بينما «لا يوجد الآن تحالف دولي فعلي، ولا توجد حتى الآن أي نية لنشر القوات البرية، ومن دونها من المشكوك فيه جداً إمكانية إسقاط النظام».
وبالتالي، تتحول الحرب إلى منافسة على الرواية: فإيران تكتفي بإطالة أمد الحرب لتحقيق «عدم الخسارة»، بينما تسعى أميركا وإسرائيل إلى «نصر شامل» يبدو بعيد المنال.
حرب بلا نهاية واضحة!
يجمع المحللون الثلاثة على أن الحرب، رغم ضخامتها، تفتقر إلى إستراتيجية خروج واضحة.
برئيل يحذر من أن «استمرارها سيكون فوضوي، مع تواجد عسكري أميركي لفترة طويلة في الخليج مصحوب بمواجهات تكتيكية متواصلة من دون حسم».
هنغبي يراهن على «المساعدة العملياتية التي ترافق القوى المدنية غير المسلحة من الجو» كعامل حاسم لإسقاط النظام.
أما نيتسانا درشان - لايتنر فترى أن «هزيمة ايران من دون احتلال طهران» ممكنة عبر خنقها اقتصادياً.
في النهاية، تبقى الأسئلة الكبرى مفتوحة: هل تؤدي الضربات العسكرية إلى انتفاضة شعبية أم أن إيران ستنجح في تحويلها إلى حرب استنزاف طويلة تعيد رسم توازنات المنطقة؟
الإجابة وحدها كفيلة بتحديد «المنتصر» في هذه المعركة الوجودية.