ارتسمت في الساعات الماضية ملامحُ سباقٍ قديم - جديد بين الميدان المشتعل في لبنان والمرشّح لمزيد من الالتهاب بوتيرة متسارعة، وبين الدبلوماسية السلحفاتية التي تتلمّس طريقاً شائكاً نحو إطارٍ لحلّ نهائي ما زال عالقاً بين هدف إسرائيل بأن يَحمل «نهاية» حزب الله وبين إصرار الحزب على أن لا بدايةَ لأي كلامٍ قبل وقف المواجهة الأمّ مع إيران وتنفيذ تل أبيب مندرجات اتفاق وقف النار (27 نوفمبر 2024) وفق تفسيره لها والذي تسّبَّب على مدى 15 شهراً باستمرار «المعركة بين الحروب» على وهج التراشق بأيهما أولاً «سحب السلاح أو الانسحاب من النقاط المحتلة جنوب لبنان ومتمماته».
وشكّل بروز الدولة اللبنانية كقاطرةٍ للمسار الدبلوماسي عبر مبادرة النقاط الأربع التي أطلقها الرئيس جوزف عون الإثنين خلال الاجتماع الافتراضي الذي نظمه رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلايين، وضم عدداً من قادة دول المنطقة، نقطة تَحَوُّل لا يُستهان بها وخصوصاً لجهة ما تعبّر عنه من استشعار القيادة السياسية بالمَخاطر التي تترتّب على ترْك البلاد فريسة نار تلتهمها لحساباتِ النظام الإيراني وسط خشية من استجلاب المزيد من الفتائل عبر سورية في ظل مؤشراتٍ لمحاولاتٍ لاستدراجها إلى «خط الزلزال الأعنف» في الاقليم عبر الفالق اللبناني.
مبادرة عون
وانطوت مبادرة عون على مجموعة مفارقاتٍ في مضمونها كما الإطار الناظم لها والذي حَمَلَ هجوماً غير مسبوق على «حزب الله» بما عَكَسَ انكسار الجرّة «بين لبنان الرسمي والحزب الذي تحوّل جناحه العسكري منذ 2 مارس الجاري خارجاً عن القانون ومحظوراً بموجب قرار الحكومة بذلك وإلزامه تسليم سلاحه، وإن تحت سقف الخطة الموضوعة لذلك من الجيش اللبناني.
وقد نصّت المبادرة على «إرساء هدنة كاملة مع وقفٍ لكل الاعتداءات الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية على لبنان»، و«المسارعة إلى تقديم الدعم اللوجستي الضروري للقوى المسلحة اللبنانية» على «أن تقوم هذه القوى فوراً بالسيطرة على مناطق التوتر الأخير، ومصادرة كل سلاح منها، ونزع سلاح «حزب الله» ومخازنه ومستودعاته، وفق المعلومات والمعطيات الممكن توافرها لها»، و«بشكل متزامن، يبدأ لبنان وإسرائيل مفاوضات مباشرة برعاية دولية، للتوصل إلى تنفيذ تفاصيل كل ما سبق».
وارتكز طرْحُ المبادرة على موقف متقدّم جداً لعون اعتبر فيه أن إطلاق حزب الله الصواريخ على شمال إسرائيل فجر 2 مارس «كان كمينا منصوباً للبنان وقواه المسلحة واستدراجاً للجيش الإسرائيلي للتوغل داخل البلاد»، معتبراً أن «مَن اطلق الصواريخ أراد سقوط دولة لبنان من اجل حسابات النظام الإيراني، وهذا ما أحبطناه حتى اللحظة»، ومتحدثاً عن أن من أهداف ما حصل «خروج الفريق المسلح نفسه، بحملة شعبوية تحت عنوان مزعوم، عن عجز الدولة عن حماية شعبها وبالتالي العودة إلى شعاراته المضللة عن أن سلاحه الخارج عن الدولة وعن إجماع اللبنانيين، هو شرعي وضروري».
وعلى أهمية هذا الهجوم الأعنف من رئيس الجمهورية على «حزب الله»وأهدافه «العميقة» من استدراج إسرائيل اليوم كما بالأمس والذي يطلّ على قطع آخِر «الخيوط» بين الدولة والحزب، فإنه لم يكن ممكناً استشراف «أَثَر» مبادرة عون على مسار الحرب:
- أولاً في ضوء مؤشراتٍ إلى أن إسرائيل تعتبر أن ما زال أمامها هدف توسيع المنطقة العازلة في جنوب لبنان وربما التوغل عبر البقاع وتنفيذ عمليات خاصة ضدّ منشآت الصواريخ البالستية والمسيرات قبل الجلوس على طاولةٍ ستكون لها اليد العليا عليها في ضوء نتائج الميدان، وسط إشارات في وسائل إعلام إسرائيلية وأميركية إلى أن الحملة العسكرية ضدّ حزب الله تحمل صلاحية انتهاء تتجاوز الحرب مع إيران التي قد يعزّز وقفها من الرئيس دونالد ترامب في توقيت ما تحت عنوان ان الأهداف الإستراتيجية تحققت من «الحاجة» الإسرائيلية لإجراءاتٍ تضمن «اجتثاثاً» لما تعتبره خطراً وجودياً يشكله الحزب عليها وذلك لمرة واحدة وأخيرة.
- وثانياً لأن في واشنطن مناخاتٍ عن فتور في تلقي كل ما يصدر عن لبنان الرسمي في ضوء تجربة أكثر من عام من فرصة تعتبر الولايات المتحدة أنها أعطيت للدولة لتنفيذ التزاماتها تجاه اتفاق 27 نوفمبر كما تعهداتها بموجب قراراتها ابتداء من 5 أغسطس الماضي في سحب سلاح «حزب الله» وما اتسم به أداؤها من تردُّد وخوف من حرب أهلية، وهو ما يجعلها لا تقيم وزناً حقيقياً لأي مبادرة تفاوضية، ما دام الحزب يرفض تسليم سلاحه والجيش اللبناني يعارض أي صدام معه ويحبّذ تنفيذاً لقرار حظر جناحه العسكري في إطار من «التنسيق» الذي ينطوي على «انتظار» لأن يوافق «المحظور» على تفكيك نفسه.
- وثالثاً لأن مبادرة عون التي جاءت وفق تراتبية «أ، ب، ج، د»، استدعت تدقيقاً في ما إذا كانت بنودها في سياق ترتيب أولويات من 1 إلى 4، بمعنى أن توقف إسرائيل الحرب أولاً كلياً ويتم تسليح الجيش من الدول الصديقة ثانياً كي يتولى نزع سلاح حزب الله بعدها، أم أن عبارة «بالتزامن يبدأ لبنان وإسرائيل مفاوضات مباشرة برعاية دولية، للتوصل إلى تنفيذ تفاصيل كل ما سبق» تعني أن ثمة سلة واحدة، علماً أن دوائر سياسية توقفت عند استخدام الرئيس اللبناني تعبير «نزع السلاح» وتأكيده على «القرار الواضح الذي لا عودة عنه، ويقضي بحظر أي نشاط عسكري أو أمني لحزب الله. وهو ما نريد تنفيذه بشكل واضح وحاسم».
إشارات
وفي الوقت الذي برزت زيارة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى لرئيس البرلمان نبيه بري، في ما بدا محاولة لجس نبض موقفه وأين يقف حزب الله من مبادرة عون، تقاطعت مجموعة إشارات إلى أن طريق الدبلوماسية ما زال بعيداً وأبرزها:
- معاجلتها من «حزب الله» ببيان مسائي من رئيس كتله نوابه محمد رعد، رئيس كتلة نواب حزب الله محمد رعد الذي أعلن «أن لبنان اليوم ليس مخيّراً بين الحرب والسلم كما يُردّد البعض ويزعم، بل هو مُخيّر بين الحرب والاستسلام للشروط المذلة التي يريد العدو فرضها على الحكومة التي تعرف ذلك وتسعى إليه، وعلى كل البلد وشعبه، ونحن في المقاومة ليس من خيار أمامنا جميعاً إلا التوكل على الله والدفاع عن وجودنا أياً تكن الأثمان».
وقال: «هدفنا واضح ومُحدّد، وهو إخراج العدو من أرضنا المحتلة، ووقف اعتداءاته وخروقاته جواً وبحراً وبراً، وتحرير الأسرى واستعادتهم إلى أهلهم، ووقف استهداف شعبنا وأمنه، وعدم تعطيل عودة الأهالي إلى قراهم، وإعادة إعمار بلداتهم وبيوتهم»، متهماً الحكومة بأنها ولتبرير عجزها الفاضح عن صدّ الاعتداءات الإسرائيلية بعد اتفاق 27 نوفمبر استجابت «للمطلب والحلم الإسرائيلي القديم الذي يقضي بنزع سلاح المقاومة».
- ما كُشف عن أن الاتصال بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يشكل رافعةً للمسار الدبلوماسي بطلبٍ وموافقةٍ من لبنان، وبين بنيامين نتيناهو الإثنين كان عاصفاً، قبل أن يعلن السفير الإسرائيلي لدى فرنسا جوشوا زاركا «أن الحكومة اللبنانية ما زالت عاجزة عن تنفيذ التزاماتها وأنها تخشى من انزلاق البلاد نحو حرب أهلية، ولا نرى أي مؤشرات تدل على أن الجيش اللبناني يمضي في نزع سلاح حزب الله»، مضيفاً أنه لا يملك أي معلومات حول وجود قرار إسرائيلي بالتفاوض مع حكومة بيروت لإنهاء الحرب.
- ما أورده موقع «اكسيوس» نقلاً عن مصادر أن إسرائيل رفضت مقترحاً لبنانياً للتفاوض المباشر بعد تجدّد الحرب في لبنان مع حزب الله، وأن الحكومة اللبنانية اقترحت إجراء المفاوضات المباشرة على مستوى الوزراء في قبرص من خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، بهدف إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق سلام، مشيرة إلى أن الردود الأميركية والإسرائيلية كانت باردة، ومتسمة بالشك العميق.
وبحسب اكسيوس، فقد تواصلت الحكومة اللبنانية الأسبوع الماضي مع السفير الأميركي لدى تركيا توم برّاك الذي ردّ قائلاً: «كفى هراءً» من دون نزع سلاح حزب الله، لا جدوى من النقاش.
وأضاف التقرير أن الحكومة اللبنانية تشعر بإحباط بالغ إزاء تجاهل إدارة ترامب لها إلى حدّ كبير، وأنه لا يوجد أي اهتمام من جانب إدارة ترامب بالتعامل مع لبنان، في وقت قال مسؤول أميركي سابق: «لا أحد في واشنطن يرد على مكالماتهم».
- ما نقلته «القناة 12 الإسرائيلية» عن مصادر أميركية وإسرائيلية، من أن الحكومة الإسرائيلية رفضت المبادرة بالكامل، معتبرة أنّ «الوقت قد فات»، وأنّ «التركيز الحالي ينصب على تفكيك قدرات حزب الله».
الحدود اللبنانية - السورية
وفي موازاة ذلك وعلى وقع استمرار الغارات الإسرائيلية التدميرية جنوباً والتي تمددت إلى صيدا مع تذكيرٍ لسكان الضاحية الجنوبية لبيروت بوجوب البقاء خارجها «وأعذر من أنذر»، واستمرار التوغلات على الحافة الحدودية عبر الفرقتين 91 و36، في مقابل إدخال حزب الله صواريخ تطال محيط تل أبيب وتصل إلى مسافة تناهز 150 كيلومتراً، برز إعلان هيئة العمليات في الجيش العربي السوري «سقوط قذائف مدفعية على الأراضي السورية قرب بلدة سرغايا غرب دمشق، أطلقت من الأراضي اللبنانية».
وأشارت الى أن «حزب الله» «هو من أطلق القذائف باتجاه نقاط للجيش العربي السوري قرب سرغايا»، لافتة إلى وصول تعزيزات للحزب «إلى الحدود السورية اللبنانية»، وأنها تقوم «بالمراقبة وتقييم الموقف»، ومشيرة إلى أنه «يتم التواصل مع الجيش اللبناني، ودراسة الخيارات المناسبة للقيام بما يلزم».
وأوضحت أن «الجيش العربي السوري لن يتساهل مع أي اعتداء يستهدف سورية».