في وقت تتسارع فيه التحوّلات الإعلامية والتقنية، يظل بعض الإعلاميين شهوداً على مراحل مفصلية من تاريخ المنطقة، وصُنّاعاً لجزء من مسيرتها الفكرية والإعلامية.
ولعلّ من بين هذه الأسماء يبرز الإعلامي القدير يوسف الجاسم، الذي جمع بين العمل الإعلامي والاهتمام السياسي والثقافي، مُقدماً تجربة ثرية امتدت لعقود طويلة، برؤى ثاقبة «ستة على ستة».
وخلال استضافته في برنامج «مسرح الحياة» على شاشة «الراي» ومنصة «ROD»، الذي يقدمه رئيس تحرير البرنامج علي العلياني طيلة أيام شهر رمضان المبارك، فتح الجاسم صفحات من ذاكرته المهنية والإنسانية، متحدثاً عن تطور الإعلام العربي والخليجي، وعن بداياته التي تشكّلت في ظل أحداث سياسية كبرى شهدتها المنطقة.
كما استعاد محطات بارزة من مسيرته الإعلامية ولقاءاته مع شخصيات مؤثرة، وتطرق إلى تجاربه الشخصية وما تركته من أثر في نظرته للحياة.
وفي هذا الحوار، لم يكتفِ الجاسم بسرد الذكريات، بل قدّم أيضاً رؤيته لمستقبل الإعلام ونصائحه للجيل الجديد من الإعلاميين، مؤكداً أن مواكبة التطور ضرورة لا خيار، وأن «قطار التطور لا ينتظر المتقاعسين».
في مستهل اللقاء، قدّم العلياني ضيفه إلى جمهور الشاشة بكلمات احتفت بمسيرته، قائلاً: «بين أروقة السياسة ودهاليز الإدارة وشاشات التلفاز، شقّ طريقاً لا يشبهه فيه أحد، وعُرف بهدوئه الذي يسبق عاصفة الأسئلة الجريئة، ودبلوماسيته التي تفتح أبواب الحقائق المغلقة. هو صاحب البصمة في برنامج (ستة على ستة)، والربّان الذي قاد الطائر الأزرق».
كما عبّر العلياني عن اعتزازه باستضافة إعلامي قدير مثل يوسف الجاسم «بوخالد»، فردّ الأخير التحية بمثلها، مؤكداً أن مشاعر التقدير متبادلة بينهما.
«المشهد الإعلامي»
وعن قراءته للمشهد الإعلامي العربي في ظل المتغيرات الإقليمية التاريخية التي تشهدها المنطقة، شدّد «بوخالد» على أن الإعلام العربي والخليجي يعيش في أوجّ تألقه، ويتمتع بوضع صحي للغاية. وأوضح أنه منذ تسعينات القرن الماضي، استطاع تكوين مرحلة مهمة تحاكي الإعلام العالمي لناحية التقنيات والقدرات والمنهجيات المهنية، مشيراً إلى أن المملكة العربية السعودية لعبت دوراً محورياً في تحفيز هذا التطور، من خلال إطلاق عدد كبير من المحطات الإعلامية مثل «روتانا» و«MBC» وغيرهما، ما أسهم في نقل الإعلام العربي خطوات واسعة نحو التحديث. كما نوّه بالدور الذي قامت به دولة قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، والتحاق بقية دول الخليج بركب هذا التطوير.
وتطرّق الجاسم إلى الإعلام الكويتي في القطاعين الرسمي والخاص، موضحاً أنه بات «في الجيب»، أي حاضراً عبر الهاتف المحمول، ويشهد قفزات متسارعة إلى الأمام.
وأضاف قائلاً: «غالباً ما كنت أقول إن الإعلام الحكومي في أي بلد يشبه الفيل الذي يركض في ماراثون للغزلان، لأنه مقيّد باعتبارات عدة، ومن الظلم القول إنه يفتقر إلى الشجاعة».
«اهتمام مبكر»
وحول تشكّل شخصيته الإعلامية، بيّن أن اهتمامه بالمجال بدأ مبكراً، منذ مرحلة ما قبل النضوج الفكري، لافتاً إلى أنه وُلد في أواخر الأربعينات، وأن جيل الخمسينات الذي نشأ فيه كان صاخباً بالأحداث السياسية التي عصفت بالمنطقة، فقد شهد «حرب 56» و«حرب 67»، ومراحل الناصرية وما بعدها، وحرب الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، والأحداث التي جرت في اليمن في ظل الاستعمار البريطاني، وغيرها من التحولات التي دفعت به نحو السياسة والإعلام، وكانت تمثل مرحلة التكوين الفكري والذاتي بالنسبة إليه.
وأشار إلى أنه درس الاقتصاد والعلوم السياسية في الجامعة، ثم انخرط في جمعية الخريجين الكويتية التي تُعنى بالعملين السياسي والاجتماعي، ومن أبرز أنشطتها برنامج «قضايا وردود»، الذي اعتبره من بصمات تلك المرحلة، موضحاً أن زميله الشهيد ناصر الصانع كان مؤسس البرنامج، وأنه قدّمه كإعلامي شاب بديلاً له في تقديم «قضايا وردود».
وذكر أن تلفزيون الكويت تفرّد بعرض هذا البرنامج، إلى جانب برنامج «المائدة المستديرة» للدكتور عبدالله النفيسي، وبرنامج «أوراق خليجية» من تقديم الدكتور محمد الرميحي.
«الجيل المحظوظ»
واعتبر أن جيل الخمسينات والستينات كان «محظوظاً» مقارنة بغيره من الأجيال، ولا سيما جيل ما قبل النفط، الذي كان مثقلاً بمتطلبات الحياة، في ظل غياب الصحافة والإعلام قبل عشرينات القرن الماضي.
وتابع قائلاً: «لقد شهدنا أحداثاً كبرى سجّلها التاريخ، زعامات صعدت ثم نزلت، ودولاً حكمت العالم ثم تفككت، مثل انهيار جدار برلين. عايشنا نجاحات وإخفاقات، وتحولات متسارعة في أنماط الحياة، فتشرّب جيلنا مراحل متعددة كوّنت لديه قواعد لفهم الحياة، لننقل هذه المفاهيم إلى أبنائنا وأحفادنا كي يتعلموا منها الدروس، حتى أن عملة الروبية كانت تسمى سفرة الطعام، لأن قيمتها وقتذاك تكفي لإطعام أسرة كاملة».
«الجانب الإنساني»
وعند سؤاله عن شعور الفقد الذي كابده بعد وفاة ابنه العام الماضي وابنته قبل أعوام، تأثر الجاسم وقال: «الفقد شعور يصعب شرحه»، قبل أن تذرف دموعه، ثم استدرك قائلاً: «الأمر ليس سهلاً عليّ ولا على أي إنسان يواجه هذا الإحساس، لكنني أتعامل معه بالآية الكريمة: (وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون)». وأوضح أن هذا الشعور يكشف قيمة الأبناء ومكانتهم في نفوس آبائهم، وأن الإنسان لا يملك من أمره شيئاً، «فلا إرادة تعلو فوق إرادة الله سبحانه وتعالى»، مشدداً على أهمية اجتياز هذا المصاب حتى لا يتحطم الإنسان، بل يحوّل ألمه إلى دافع لاكتشاف معنى الحياة وقيمتها.
ومن واقع خبرته الطويلة، قدّم نصائح للإعلاميين الشباب حول كيفية الاستفادة من التطور التقني الهائل في خدمة المحتوى، مؤكداً أن الصبر عنصر جوهري في مسيرة الإعلامي. وأكمل «على الإعلامي أن يبدأ مشواره بخطوات متدرجة، لا بقفزات متعجلة، وأن يحترم المهنة ويواكب العصر، فقطار التطور لا ينتظر المتقاعسين. ومن يصرّ على البقاء في الماضي، يجتازه الحاضر ويتصدى له المستقبل».
«التواصل الاجتماعي»
وانتقل العلياني إلى الحديث عن وسائل التواصل الاجتماعي وعلاقة الجاسم بها، وكيفية توظيف أدواته الإعلامية في هذا المجال. فأجاب: «أنظر إليها بصفتي متابعاً، وأعترف بأنني كسول في المشاركة، فلعلني أغرّد مرة كل أسبوع أو حتى كل شهر على موقع (إكس)، أو أنشر صورة بين حين وآخر على (إنستغرام)، وهذا كل شيء. فأنا أرفض أن تحكمني هذه الآلات، لأن المعمعة اليومية في زحمة المنصات المختلفة قد تؤذينا».
وأشار إلى أنه لم ينضم إلى «تيك توك» ولا يعرف الكثير عن «سناب شات»، رغم إقراره بأن هذه المنصات تتيح كماً هائلاً من المعلومات، مؤكداً في الوقت نفسه ضرورة عدم رفض الجديد حتى لا يرفضنا ويبقينا في مكاننا عوضاً عن اللحاق به.
«مدرج المسرح»
ومن على مدرج «مسرح الحياة»، عُرضت لقطات من برنامج «الاثنين» الذي بُث سابقاً على شاشة تلفزيون «الراي»، وقدّمه الراحلان محمد السنعوسي وأحمد الربعي.
وذكر الجاسم أن لكل منهما عالمه الخاص ومدرسته المميزة في الإعلام، مؤكداً أن اجتماعهما في برنامج واحد شكّل حدثاً إعلامياً بارزاً، انطلق بفكرة رائدة من تلفزيون «الراي»، واصفاً الدكتور الربعي بأنه «ظاهرة» إعلامية وفكرية، ومشيراً إلى أنه قدّم للكويت الكثير عبر المناصب التي تقلّدها، سواء كعضو في البرلمان أو كوزير في الحكومة.
كما لفت إلى أن فكر الربعي وكتاباته كانت سابقة لعصرها، وما زالت أفكاره تُعبّر عن الواقع الحالي وكأنه كان يستشرف المستقبل منذ ذلك الحين.
وتطرّق الجاسم إلى الفيلم الوثائقي «وداعاً يا أحمد»، الذي تناول مسيرة الربعي وإسهاماته البارزة في مسيرة العطاء، إلى جانب بعض مقالاته ومأثوراته، مبيناً أن السنعوسي، عندما شاهد الفيلم، التفت إليه مازحاً وقال: «يا ملعون، لي مت بتسوي لي چذي؟»، فرد عليه الجاسم: «إنت موت وشوف».
وزاد قائلاً: «فور وفاته، خطرت في ذهني مباشرة فكرة إنتاج عمل وثائقي عنه، فقدمنا فيلم (السنعوسي... وداعاً)»، معتبراً أنه والربعي رمزان من رموز الكويت الذين تركوا أثراً كبيراً وقيمة مضافة في المكتبة العربية.
«جوهرة التاج»
كما كشف «بوخالد» عن كواليس اللقاء التلفزيوني الذي جمعه بـ«أمير الإنسانية» الشيخ صباح الأحمد، والذي أجراه على متن الطائرة، عارضاً مقتطفاً من المشهد الذي سأله فيه عن الضحكة التي لا تفارق محيّاه. وأوضح أن هذا اللقاء كان بمثابة «جوهرة التاج» في مسيرته الإعلامية، مشيراً إلى أن الشيخ صباح كان وقتها رئيساً لمجلس الوزراء.
وبيّن أن فكرة اللقاء انطلقت من وزير الإعلام في ذلك الوقت أنس الرشيد، وأنها كانت شرفاً كبيراً بالنسبة إليه.
ولفت إلى أنه طلب من الرشيد أن يكون اللقاء بعيداً عن السياسة، وأن يركز على الجانب الإنساني والخاص في حياة سموه. ومن هنا جاءت فكرة إعداد ورقتين لمحاور الحوار، الأولى تتناول القضايا السياسية، والثانية تتعلق بحياته الخاصة. واختار سموه الورقة الثانية، لكنه لم يطّلع عليها مسبقاً، بل ترك للجاسم حرية طرح الأسئلة.
«الليلة المحمدية»
وتحدث أيضاً عن «الليلة المحمدية»، ذلك العرض الذي ظلّ خالداً في ذاكرة الكويتيين، والذي قُدّم في القاهرة أثناء الغزو العراقي للكويت، ضمن احتفالات المولد النبوي الشريف، وعُرف بعنوان «اللهم لا اعتراض»، وهو من تأليف الشاعر عبدالرحمن الأبنودي، وألحان الدكتور جمال سلامة، وبإشراف الإعلامي وجدي الحكيم.
وقال إن الحكيم طلب منه اختصار القصة، وعندما استمع إليها في الاستوديو انهار باكياً، كما بكى الشعب الكويتي والعالم بأسره، غير أن المفاجأة كانت حين أخبره الحكيم بأن العمل لم يحصل على إجازة الأزهر الشريف، وبالتالي لن يُعرض، بسبب البيت الشعري الذي أدّاه الفنان القدير عبدالله الرويشد: «بيتي، ويقول بيته اللي جه يعتدي... ومسجد أنا بنيته ويقول ده مسجدي».
واسترسل الجاسم: «حينها طلبت من الأبنودي تغيير هذا البيت، لكنه أصر عليه، فاقترحت أن تُستبدل عبارة (مسجد أنا بنيته) بعبارة (مسجد لله بنيته)، إلا أنه رفض أيضاً». وبعد ذلك اتصل به الحكيم ليبلغه بموافقة الأبنودي أخيراً على استبدال المفردة، وبذلك تمت إجازة النص من قبل الأزهر، وتم عرض العمل، مؤكداً أن الأمر حدث بمحض الصدفة، وإلا لما أُتيح للعمل أن يُبث.
«تقريب الزعماء من الناس»
أشار الجاسم إلى أن صدى اللقاء مع «أمير الإنسانية» كان كبيراً، حتى أن أول اتصال تلقاه سموه بعد بثه كان من الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، الذي قال له: «شفت اللقاء، وأنا مش عارف ليه الإعلاميين اللي يرافقونا ما يعملوش معانا زي دا اللقاء».
واعتبر الجاسم أن مثل هذه اللقاءات الإنسانية تسهم في تقريب الزعماء من الناس وتقديمهم بصورة أقرب إلى وجدان الجمهور.
«باب الوفاء»
استعاد الجاسم ذاكرته أنه عندما التقى الربعي في لقاء تلفزيوني فور عودته من رحلة العلاج في مدينة بوسطن الأميركية، تلقى اتصالاً هاتفياً من رئيس مجلس إدارة مجموعة MBC وليد الإبراهيم، الذي تأثر بما دار في الحوار بينهما خلال الحلقة. وأضاف أن الإبراهيم جاء إلى الكويت من باب الوفاء، و«جلسنا معاً ليلة كاملة نتبادل الحديث».
«لقاء مع الزعيم»
في صورة جمعته بالفنانين الكبيرين عادل إمام وسعاد عبدالله، أوضح الجاسم أن هذه اللقطة التُقطت خلال زيارة عادل إمام إلى الكويت لتسجيل حلقة في برنامجه «ستة على ستة»، وذلك بدعوة من وزارة الإعلام.
وذكر أن وكيل وزارة الإعلام المساعد للإعلام الخارجي وقتها، الشيخ مبارك الصباح، طلب منه استضافة «الزعيم»، غير أن الجاسم طلب في المقابل أن تتم استضافة الفنانة القديرة سعاد عبدالله معه في الحلقة، معبّراً عن اعتزازه الكبير بذلك اللقاء الذي جمع اثنين من أبرز رموز الفن والإعلام في العالم العربي.