مع دخول المواجهة بين إيران من جهة، وكل من إسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، مرحلة جديدة غير مسبوقة من التصعيد العسكري المباشر، الأمر الذي انعكس بصورة مقلقة على أمن واستقرار دول الخليج العربي، ووضع المنطقة بأسرها أمام اختبار بالغ الحساسية.
فمع تصاعد الضربات المتبادلة والتهديدات العلنية، امتدت تداعيات المواجهة إلى محيط الخليج، حيث تعرضت منشآت ومواقع داخل دول الخليج العربي لمخاطر مباشرة نتيجة الهجمات الصاروخية والتحركات العسكرية المرتبطة بالتصعيد القائم.
وقد اعتبرت عواصم خليجية أن ما جرى يمثل انتهاكاً صريحاً لسيادة الدول وخرقاً واضحاً لمبادئ حُسن الجوار المنصوص عليها في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، لاسيما وأن دول الخليج ليست طرفاً في النزاع المباشر الدائر!.
ومنذ اندلاع التوتر، أكدت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن أمن المنطقة لا يمكن أن يكون رهينة لصراعات إقليمية أو حسابات عسكرية متبادلة تدفع ثمنها دول الخليج من أمنها وسيادتها. لقد التزمت دول الخليج، على مدار السنوات الماضية، بسياسة واضحة تقوم على التهدئة والحوار وتغليب الحلول الدبلوماسية. وقد لعبت بعض هذه الدول أدوار وساطة بين أطراف النزاع، وسعت إلى تقريب وجهات النظر، انطلاقاً من إدراك عميق بأن أي مواجهة عسكرية واسعة في الخليج ستكون كلفتها باهظة على الجميع. غير أن ما حدث بالأمس أعاد إلى الواجهة تساؤلات ملحّة حول حدود ضبط النفس الخليجي، وإلى متى يمكن للمنطقة أن تتحمل انعكاسات صراع يتجدّد كلما تصاعد التوتر بين طهران وخصومها.
فالتصعيد الإيراني، كما ترى دول الخليج، لا ينبغي أن يتحول إلى نمط متكرر كلما احتدمت المواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا كان ذلك يتم عبر استعراضات عسكرية أو تحركات تؤثر على أمن الملاحة والطاقة والمنشآت الحيوية في الخليج.
إن خطورة ما جرى لا تكمن فقط في طبيعة العمليات العسكرية، بل في الرسالة التي تحملها في شأن قابلية توسيع دائرة النزاع. فاستهداف محيط الخليج، أو تعريضه لمخاطر مباشرة، يمثل تجاوزاً لمبدأ عدم التدخل واحترام السيادة، ويقوض الجهود التي بُذلت طوال الأعوام الماضية لبناء مناخ إقليمي أكثر استقراراً.
كما أن دول الخليج أكدت في بياناتها أنها لن تكون طرفاً في أي صراع إقليمي، لكنها في الوقت ذاته تحتفظ بحقها المشروع في حماية أراضيها ومواطنيها ومقدراتها الاقتصادية.
كما دعت المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في منع انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع، والعمل على إعادة الأطراف المتنازعة إلى طاولة الحوار. ويبقى السؤال مفتوحاً: إلى متى يستمر تصدير الأزمات إلى الخليج كلما تعثرت التفاهمات بين إيران وخصومها؟
إن أمن الخليج ليس شأناً محلياً فحسب، بل عنصر أساسي في استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولية. ومن هنا، فإن العودة إلى منطق الدبلوماسية واحترام الأعراف الدولية لم تعد خياراً سياسياً، بل ضرورة إستراتيجية عاجلة لحماية المنطقة من مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار.
Dr.essa.amiri@hotmail.com