في خضم السباق المحموم ضد البكتيريا الخارقة التي تتفوق على أقوى المضادات الحيوية وتقاومها بعناد، كشف باحثون من جامعة «بوسطن» عن نجاحهم في اكتشاف سلاح غير متوقع قد يقلب موازين تلك المعركة رأساً على عقب، وهو نوع من السكر.

وبحسب الدراسة التي نشرتها دورية «ساينس ترانسليشنال ميديسين» ونقلها موقع «نيو أطلس» العلمي، فإن مركباً سكرياً بسيطاً يُدعى «مانيتول» لا يقضي على البكتيريا مباشرة، بل يجبرها على التخلي عن دروعها الواقية، تاركة إياها عارية أمام المضادات الحيوية التقليدية.

وأوضح العلماء أن معضلة البكتيريا المقاومة لا تكمن فقط في طفراتها الجينية، بل في سلوكها الاجتماعي. فمعظم الالتهابات المزمنة، خاصة تلك المرتبطة بالجروح والرئتين والأجهزة الطبية، تشكل أغشية حيوية (بيوفيلم)؛ وهي مدن بكتيرية محصنة بطبقة لزجة من السكريات والبروتينات.

هذه الأغشية تحمي المستعمرات من جهاز المناعة والمضادات الحيوية معاً. العلاج الجديد يعمل عبر ثلاث آليات مترابطة، وهي:

• اختراق الحاجز اللزج: جزيئات المانيتول صغيرة بما يكفي للتسلل داخل الغشاء الحيوي وتفكيك الروابط المتقاطعة التي تمسكه معاً، ما يحوله من حصن منيع إلى شبكة هشة.

• خداع التمثيل الغذائي: البكتيريا تستهلك المانيتول كغذاء، لكن هذا المركب يربك مساراتها الأيضية ويجعلها تنتج مواد حمضية تضعف بنيتها الداخلية.

• فتح بوابات المضادات الحيوية: بمجرد زعزعة الغشاء، تصبح المضادات الحيوية مثل «الجنتاميسين» و«الفانكومايسين» قادرة على النفاذ بتركيزات أقل بعشر مرات من الجرعة القاتلة المعتادة.

وفي تجارب مختبرية أجريت على سلالات بكتيريا «الزائفة الزنجارية» و«المكورات العنقودية الذهبية» المقاومة للميثيسيلين، حقق المزيج (سكر المانيتول + مضاد حيوي) نتائج مذهلة:

• القضاء على 99.9 في المئة من البكتيريا داخل الأغشية الحيوية خلال 4 ساعات، مقارنة بعدم فعالية المضاد الحيوي وحده.

• منع تشكل أغشية جديدة عند استخدام المانيتول وقائياً قبل التعرض للبكتيريا.

• نجاح في نماذج حيوانية مصابة بالتهاب رئوي حاد، حيث قلل العلاج من الحمل البكتيري في الرئتين بنسبة 85 في المئة وضاعف معدلات البقاء على قيد الحياة.

كما يتمتع سكر المانيتول بمزايا عملية هائلة. فهو مرخص أصلاً من إدارة الغذاء والدواء كمدر للبول ولخفض الضغط داخل الجمجمة، ما يعني أن ملف سلامته معروف ويمكن إعادة استخدامه فوراً. كما أن تكلفته زهيدة جداً (أقل من دولارين للجرعة الواحدة)، على عكس المضادات الحيوية الجديدة التي تكلف آلاف الدولارات.

ومع ذلك، حذر الباحثون من أن هذا ليس حلاً سحرياً، فمركب المانيتول السكري لا يعمل ضد جميع أنواع الأغشية الحيوية، وبعض البكتيريا قد تطور مقاومة له أيضاً.

كما أن توقيت الإعطاء وتركيزه الدقيق يحتاجان إلى تحسين في التجارب السريرية البشرية المقبلة. لكن الأهم، كما يقول الدكتور جيمس كولينز، قائد الفريق البحثي: «هذه الدراسة تثبت أننا لسنا مضطرين لاختراع جزيئات جديدة كلياً في كل مرة. أحياناً، الحكمة هي في إعادة اكتشاف أدوات قديمة واستخدامها بذكاء».

والخلاصة أن مستقبل مكافحة الميكروبات سيكون تآزرياً، يجمع بين مثبطات المقاومة ومضادات الميكروبات القاتلة. فبدلاً من سباق التسلح الجزيئي، نعمل على نزع سلاح العدو أولاً. وبناءً على ذلك، تخطط الفرق البحثية لتجارب سريرية على مرضى التليف الكيسي المصابين بالتهابات رئوية مزمنة، حيث تشكل الأغشية الحيوية العدو الأكبر.