كشفت دراسة حديثة نُشرت في منصة «ذا كونفرسيشن» عن وجود علاقة بيولوجية عكسية ومثيرة للجدل بين مرض السرطان ومرض «ألزهايمر».

فمنذ سنوات، لاحظ علماء الأوبئة أن المصابين بالسرطان أقل عرضة لتطوير مرض «ألزهايمر»، والعكس صحيح، إلا أن الأسباب ظلت غامضة حتى كشفت تجارب مخبرية حديثة عن وجود «إشارة حماية» يرسلها الورم السرطاني إلى الدماغ تساعد في تنظيف البروتينات السامة المرتبطة بالخرف.

وأوضح التقرير أن الدراسة التي أُجريت على الفئران أظهرت أن الأورام السرطانية (مثل سرطان الرئة والقولون) تفرز بروتيناً يُسمى «سيستاتين سي» (Cystatin-C) في مجرى الدم. ويمتاز هذا البروتين بقدرته على عبور «الحاجز الدموي الدماغي»، وهو الغشاء الذي يحمي الدماغ عادةً من المواد الغريبة، ليعمل بمجرد دخوله على تحفيز الخلايا المناعية في الدماغ لتدمير لويحات «الأميلويد بيتا» الضارة.

وفي سياق متصل، أشارت النتائج إلى أن هذه العملية تعمل كـ «فريق تنظيف» نشط، حيث يقوم بروتين «سيستاتين سي» بتنشيط مستشعر خاص على الخلايا المناعية الدماغية، ما يجعلها أكثر عدوانية في مهاجمة التجمعات البروتينية السامة.

وتتميز هذه الآلية بجوانب مهمة عدة، ومن أهمها: تحسين الذاكرة والوظائف الإدراكية لدى الفئران المصابة بالأورام، منع تراكم اللويحات البروتينية التي تسبب التهاب الأعصاب، وتقديم نموذج مادي لظاهرة «الأرجوحة البيولوجية» بين نمو الخلايا وتدهورها.

وأكد الباحث جاستن ستيبينغ من جامعة «أنغليا روسكين» في بريطانيا، أن هذه النتائج لا تعني أن الإصابة بالسرطان أمر جيد، بل تسلط الضوء على «مقايضات بيولوجية» يمكن استغلالها طبياً. ويسعى العلماء حالياً لتطوير أدوية تحاكي عمل بروتين «سيستاتين سي» لتعزيز قدرة الدماغ على تنظيف نفسه من دون الحاجة لوجود ورم سرطاني، ما يفتح باباً جديداً لعلاج «ألزهايمر» بشكل آمن وفعال.

ومع ذلك، يشدد الخبراء على أن هذه الأبحاث لاتزال في مراحلها الأولية على النماذج الحيوانية، وهناك حاجة لمزيد من الدراسات للتأكد من انطباقها على البشر.

ويرى الأطباء أن فهم هذه الروابط المعقدة بين الأمراض المختلفة يمثل مفتاحاً لتطوير إستراتيجيات علاجية مبتكرة في المستقبل، خصوصاً أن العلاقة بين السرطان والتدهور العصبي تبدو أكثر من مجرد صدفة إحصائية.

ويمثل هذا الاكتشاف بارقة أمل في مواجهة اثنين من أكثر الأمراض رعباً في العصر الحديث. فمع استمرار الأبحاث، قد يتمكن العلماء من تسخير أسرار الخلايا السرطانية لخدمة صحة الدماغ، ما يثبت مرة أخرى أن جسد الإنسان يمتلك آليات دفاعية مذهلة تتطلب فهماً أعمق لاستغلالها في إطالة العمر الصحي للبشر وحمايتهم من شبح مرض خرف الشيخوخة.