يشتهرون بـ«أجيال الطفولة غير المنظمة»

مواليد الخمسينات إلى السبعينات أكثر قدرة على مواجهة الضغوط

تصغير
تكبير

خلصت دراسات وأبحاث نفسية حديثة إلى أن قضاء ساعات طويلة من الطفولة في أنشطة «غير منظمة» وغير خاضعة لإشراف الكبار، كما كان شائعاً في خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي، كان له أثر بالغ في بناء شخصيات بالغة أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الصعاب.

وتشير الدراسات إلى أن هذا النمط من التربية، الذي قد يبدو للوهلة الأولى «مهملاً»، قد يكون سراً من أسرار الصلابة النفسية التي تميزت بها أجيال سابقة.

فقد كشفت دراسة رائدة قادها عالم النفس بيتر غراي من كلية بوسطن في الولايات المتحدة، ونُشرت في «مجلة طب الأطفال» (Journal of Pediatrics) في العام 2023، عن وجود علاقة وثيقة بين التراجع المستمر في أنشطة الأطفال المستقلة منذ ستينيات القرن الماضي والارتفاع الحاد في اضطرابات الصحة النفسية لدى الشباب. ووفقاً للباحثين، فإن هذا الارتفاع في معدلات القلق والاكتئاب بلغ حداً جعل الأجيال التي نشأت خلال فترات الاضطرابات الاجتماعية والحرب الباردة تتمتع بصحة نفسية أفضل من أطفال اليوم الذين يعيشون في استقرار نسبي.

ولفهم هذه الظاهرة، يمكن استعراض أبرز النتائج والتفسيرات التي يقدمها الخبراء:

• تطور «مركز التحكم الداخلي» (Internal Locus of Control): يرى غراي وزملاؤه أن النشاط المستقل، حيث يدير الأطفال ألعابهم ويحلون مشكلاتهم الاجتماعية بأنفسهم، يبني قناعة راسخة لدى الفرد بقدرته على التأثير في ما يحدث له. والأشخاص الذين يتمتعون بمركز تحكم داخلي قوي هم أقل عرضة بشكل ملحوظ للقلق والاكتئاب.

• تنظيم المشاعر وتحمل الفشل: أكدت أبحاث سابقة أن اللعب الحر يعدّ الوسيلة الأساسية التي يتعلم من خلالها الأطفال تنظيم عواطفهم، والتفاوض مع أقرانهم، والتعامل مع الخوف والفشل.

فالتعامل مع المخاطر الصغيرة (كالسقوط من دراجة أو خلاف على لعبة) يعلم الأطفال أن الانزعاج موقت ويمكن تجاوزه، وهو ما يسميه علماء النفس «تحمل الضيق» (Distress Tolerance).

• التحول الثقافي والهاتف المحمول: بدأت المواقف الثقافية تجاه الطفولة تتغير في الثمانينيات، بفعل التغطية الإعلامية لحوادث خطف الأطفال النادرة، مما زاد مخاوف الآباء. وبحلول التسعينات، أصبح السماح لطفل في الثامنة بالمشي إلى المدرسة وحده يُنظر إليه على أنه إهمال، وقد حلّت الأنشطة المنظمة محل اللعب غير المنظم، وزادت ساعات الإشراف.

ثم جاءت الهواتف الذكية لتحدث ما يسميه عالم النفس الاجتماعي جوناثان هايدت «إعادة الأسلاك الكبرى» (Great Rewiring)، حيث استُبدلت طفولة اللعب بـ«طفولة قائمة على الشاشات»، ما فاقم مشاكل الصحة النفسية.

• التربية المفرطة في الحماية: أظهرت أبحاث أن التربية شديدة التحكم ترتبط سلباً بقدرة الطفل على تنظيم عواطفه والتحكم في دوافعه.

ويؤكد الخبراء على ضرورة التمييز بين إبقاء الطفل آمناً وحمايته من كل تجربة غير مريحة؛ فالأول مسؤولية، أما الثاني فيترك الأطفال غير مستعدين لعالم لا يأتي مع دروع واقية.

وخلصت الدراسات إلى أن جوهر الحل لا يكمن في العودة إلى الماضي، بل في منح الأطفال جرعات متزايدة وتدريجية من الاستقلالية، والسماح لهم بالملل، وإتاحة الفرصة لهم لاتخاذ خياراتهم والفشل فيها أحياناً. فالهدف، كما يقول الخبراء، هو أن نكون آباء «بستانيين» نهيئ ظروف النمو ثم نخطو إلى الخلف، بدلاً من أن نكون «نجارين» نحاول تشكيل أطفالنا وفق نموذج محدد سلفاً.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي