حذر خبراء في طب الأطفال وعلم النفس التنموي من أن آفة التعرض المفرط للشاشات الإلكترونية بين الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة، خصوصاً دون سن الثالثة، لا يقوّض مهاراتهم اللغوية والاجتماعية فحسب، بل يسرق منهم تجارب حسية وحركية ومعرفية أساسية تشكل جوهر التطور البشري.

وإذ أشار الخبراء إلى أن الاستعاضة عن اللعب الحقيقي بالعالم الافتراضي يحرم الدماغ النامي من مدخلات غنية ومعقدة لا يمكن تعويضها، أفادت دراسات حديثة بأن الوقت الطويل أمام الشاشات يرتبط بتأخر في الكلام، وضعف في مهارات الانتباه والتركيز، وصعوبات في تنظيم المشاعر لدى الصغار. ويرى الخبراء أن المشكلة لا تكمن فقط في المحتوى، بل في طبيعة الوسيط ذاته الذي يوحي بالتفاعل وهو في الحقيقة سلبي، ما يعق تطور «التفاعل التبادلي» الذي يتعلم من خلاله الطفل قراءة تعابير الوجه ونبرات الصوت والاستجابة المناسبة.

ويؤكد الباحثون أن السنوات الأولى من العمر هي فترة حرجة لنمو الدماغ، حيث تتشكل الروابط العصبية بسرعة هائلة استجابة للمنبهات من العالم الحقيقي على النحو الآتي:

• التطور الحركي الدقيق: يحفز الإمساك بكتاب حقيقي أو تكديس المكعبات مناطق دماغية.

• التطور الحسي: يتعلم الطفل من خلال تذوق، وشم، ولمس، وسماع الأصوات الحية في بيئته.

• التطور الاجتماعي العاطفي: تتكون لديه نظرية العقل (فهم أن للآخرين مشاعر وأفكار مختلفة) من خلال اللعب التخيلي مع الأقران والبالغين.

• تعلم حل المشكلات: يواجه الطفل في اللعب غير الموجه عقبات حقيقية (كيف أبني برجاً لا يقع؟) يتعلم منها الصبر والإبداع.

ويعترف الخبراء بأن الشاشات أصبحت واقعاً لا مفر منه، وينصحون بعدم التركيز على «ذنب الأهل»، بل على تمكينهم بتوجيهات عملية: فرض حدود زمنية صارمة، واختيار محتوى تفاعلي عالي الجودة ومشاهدته مع الطفل، وضمان أن الوقت الخالي من الشاشات يكون غنياً باللعب الحر والقراءة والتفاعل الاجتماعي المباشر.