يميل الإنسان بطبيعته إلى التخطيط، ومع تحديد الأهداف يشعر بالاطمئنان، ويكون على يقين أن حسن الإعداد يحقق النتائج المرجوّة، غير أن مسار الحياة قد يختلف عمّا رسمه الإنسان في ذهنه.
في هذا السياق، يبرز قول أبي الطيب المتنبي:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
لا بوصفه تعبيراً عن العجز، بل توصيفاً صادقاً لطبيعة الحياة وتقلباتها.
كثيراً ما يجد الإنسان نفسه أمام نتائج لم يكن يتوقعها، رغم اجتهاده وبذله للأسباب، هذه المفارقة بين السعي والنتيجة قد تولّد الإحباط، لكنها في حقيقتها جزء من سنن الحياة، فليس كل ما يُراد يُدرك، وليس كل ما يُسعى إليه يُكتب له التحقق.
إن الإقرار بهذه الحقيقة لا يعني الاستسلام، بل يعني فهم حدود الدور الإنساني، وما يدخل في باب التقدير الإلهي.
من هنا تتضح أهمية المرونة؛ فالمرونة لا تعني التخلي عن الطموح، وإنما تعني القدرة على إعادة النظر في الوسائل حين تتغير الظروف.
الإنسان الواعي لا يربط قيمته بالنتيجة وحدها، بل بسلامة السعي وحسن التصرف عند تعذر الوصول، ويعلم أن المرونة والتكيف مع الواقع من مظاهر النضج والقوة، والأقوى من أصر على تحقيق الهدف وأعاد المحاولة.
ولعل مثال ذلك، شاب اجتهد سنوات في الإعداد لمسار مهني محدد، وبذل أسبابه كاملة، ثم لم يُكتب له الوصول إليه. لم يكن هذا التعثر نتيجة تقصير، بل نتيجة لظروف لم تكن بيده. وبعد مراجعة هادئة لخياراته، اتجه إلى مسار آخر أكثر انسجاماً مع قدراته، فوجد فيه استقراراً ونجاحاً، يبيّن هذا المثال أن عدم تحقق ما نريده لا يعني بالضرورة أن ما قُدّر لنا أقل قيمة، بل قد يكون أكثر مناسبة، ولو توسعنا في الأمثلة الحية لرأينا العجب!
إلى جانب المرونة، يبرز الصبر بوصفه عنصراً أساسياً في التعامل مع ما لا يتحقق؛ فالصبر ليس انتظاراً فارغاً، بل موقف داخلي قائم على الثبات وحسن الظن بالله. وقد قيل: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد»؛ إذ من دونه يفقد الإنسان اتزانه، وتغلبه ردود الفعل المتعجلة التي تزيد الأمر تعقيداً.
كما أن الحكمة تقتضي إدراك الفرق بين السعي المشروع والاعتراض على القدر؛ فالأخذ بالأسباب واجب، والرضا بما يُقدَّر بعد بذل الجهد هو باب الطمأنينة. بهذا الفهم، لا يتعارض الاجتهاد مع التسليم، بل يكمل أحدهما الآخر، ويمنح الإنسان توازناً في النظر إلى النتائج.
لا يملك الإنسان التحكم في الأحداث، لكنه يملك موقفه منها بإذن الله، فطريقة الاستجابة لا تغيّر القدر، لكنها تغيّر أثره وتجعل التجربة أهون وأوعى.
وحين تجري الأمور على غير ما نحب، تبقى الحكمة: «تجري الرياح بما لا تشتهي السفن»، لا لنفي الأمل، بل لِفهم أعمق للحياة.
aaalsenan @