كان الحوار في الديوانية (منتدى اجتماعي في الكويت) في بدايته حواراً تربوياً فنياً حول قضية «التلقين في التعليم العام والخاص»، ثم اتخذ منحى أعمق حين صرّح الرجل (وهو كبير في السن) من خلال ضرب مثال على هذه المشكلة برفضه تدريس السنة النبوية أصلاً!، بل برفض الاحتجاج بها، بحجة أنها لا تقوم على دليل قوي كدلالة القرآن الكريم، وهذه من الأمور التي تمثل الإيمان بها بتطبيق للتلقين الخاطئ الذي ورثناه!، لم أكن مصدوماً من كلامه لأن هذا الطرح لم يكن جديداً في مضمونه، لكنه يظل صادماً في لوازمه، فكان لا بد من التعامل معه بهدوءٍ فكري ومنهجٍ متدرج، لا بصدامٍ عاطفي.

بدأت الحديث من المسلّمة الكبرى: الإيمان بالقرآن الكريم فطرحت سؤالاً بسيطاً في ظاهره، حاسماً في نتائجه: من الذي نقل إلينا القرآن؟ فالصحابة الذين حملوا القرآن هم أنفسهم الذين نقلوا إلينا سُنة النبي، صلى الله عليه وسلم،، بل إن السنة خضعت (من حيث التمحيص والنقد) لعلوم تفصيلية دقيقة لم تُعرف في أي حضارة أخرى، كعلم الإسناد، والجرح والتعديل، وعلل الحديث، ونقد المتون، والموازنة بين الروايات، ومن ثم فإن الزعم بأن السنة «غير منضبطة» أو «ضعيفة الدليل» يتجاهل واقعاً علمياً متراكماً امتد قروناً.

ثم انتقلت إلى الاحتكام إلى القرآن نفسه، لأن القرآن الذي يستدل به البعض على إنكار السنة هو ذاته الذي يفرض الأخذ بها، فالقرآن لا يقدّم الرسول، صلى الله عليه وسلم، مجرد ناقلٍ للألفاظ، بل يقرّر له مقام الطاعة والاتباع، قال تعالى: «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ»، وقال: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ»، وهي صيغة لافتة بإعادة فعل الطاعة مع الرسول، بما يدل على أن له طاعة مستقلة في البيان والتشريع، بل جعل القرآن طاعته من حقيقة طاعة الله نفسها: «مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ» وغيرها من الآيات التي تدل على أهمية السنة وهي كما عرّفها أهل العلم «كل ما جاء عن النبي، صلى الله عليه وسلم، من قول أو فعل أو تقرير» ومنه تفاصيل الصلاة والعبادات التي لم تُذكر تفصيلياً في القرآن الكريم فكيف يقوم بها المسلم من غير الإيمان بالسنة؟!

فقد زاد الأمر وضوحاً أن القرآن نصّ صراحة على وظيفة البيان: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، والبيان لا يكون تلاوة مجردة، بل هو شرحٌ وتطبيقٌ وتفصيلٌ، وهو عين ما تمثله السنة النبوية، ولذلك حذّر النبي، صلى الله عليه وسلم، من الاكتفاء بالشعار القرآني المجرد، حين نبّه إلى قوم يقولون: (ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)، في تجاهلٍ متعمد لسنته.

وتبيّن من خلال النقاش أن إنكار السنة ليست مسألة عرضية أو شخصية، ولا اعتراضاً على «التلقين» بوصفه أسلوباً تربوياً تعليمياً، بل هو موقف معرفي يتكرّر عبر التاريخ بأقنعة مختلفة: قديماً عند بعض الفِرق، وحديثاً عند المستشرقين وتلامذتهم من المنتسبين للإسلام، ثم في تيار «القرآنيين»، وكل هذه الاتجاهات تلتقي في نتيجة واحدة: ضرب مصادر الإسلام من جذوره، فالطريقة هي: ضرب الجذور ومصادر المعرفة لاسقاط الدين أو بعض أصوله الكبيرة.

وانتهى الحديث بيننا إلى خلاصة واضحة وهي أن المشكلة ليست في تعليم السنة والتلقين، بل في طريقة تعليمها، فالسنة لا تُلقّن تلقيناً أعمى، وإنما تُدرَّس بوصفها علماً نقدياً رصيناً، ويجب وضع مسائل البراهين العقلية، والتجريبية التي تقوي الإيمان بالسنة كداعم للموضوع، أما نفيها من أصلها، فهو نفي لمعنى طاعة الرسول، صلى الله عليه وسلم، كما قرره القرآن نفسه، وهو ما لا يستقيم مع دعوى الإيمان بالكتاب وهو المصدر الأول في الإسلام أصلاً.