خرق اللقاءُ على مستوى سفيريْ الولايات المتحدة في كل من بيروت وتل أبيب الذي استضافتْه السفارة الأميركية في عمان جدول الاهتمامات اللبنانية التي تَوَزَّعت الإثنين بين الدبلوماسيّة عبر الزيارة البارزة لوزير الدولة في الخارجية القطرية محمد بن عبدالعزيز الخليفي، والعسكرية من خلال استمرار اسرائيل في «تحميةٍ» ميدانيةٍ يُخشى أن تكون «رياحاً سبّاقة» لتسخينٍ يواكب أي انفجارٍ في المنطقة.

وفي الوقت الذي كان لبنان مُنْهَمِكَاً بزيارةِ الخليفي الذي زفّ حزمةَ مشاريع تنموية وإنسانية في قطاعات عدة أبرزها الطاقة بقيمة نحو نصف مليار دولار، وبالغاراتِ الـ 14 التي نفّذتْها اسرائيل ليل الأحد في الجنوب والبقاع الغربي وأعلنتْ أنها استهدفتْ «مخازن أسلحة وبنى تحتية عسكرية لحزب الله»، باغتتْ السفارة الأميركية في «بلاد الأرز» الجميع بمنشور على صفحتها على منصة «اكس» أعلنت فيه أن «سفيري الولايات المتحدة في بيروت (ميشال عيسى) وتل أبيب (مايك هاكبي) ملتزمان دفع لبنان وإسرائيل نحو سلام مستدام وفعّال عبر الدبلوماسية والحوار»، كاشفةً أنه «خلال عطلة نهاية الأسبوع استضافتْهما السفارة الأميركية في الأردن حيث جرى بحث الخطوات اللازمة لتحقيق منطقة أكثر سلماً وازدهاراً».

ولم يَلْبَثْ هذا المنشور أن تَحَوَّلَ محطّ تحرياتٍ عن أبعاد اللقاء «الأميركي - الأميركي» الذي سَرَقَ الأضواء أيضاً من مواقف الأمين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم خلال اللقاءين التضامنييْن مع إيران «وتنديداً بالإساءة للمرشد الأعلى السيد علي خامنئي» وخصوصاً إعلانه «أن عدّة جهات خلال الشهرين الماضيين، سألتْنا سؤالاً واضحاً عن تدخلنا في حال هاجمت أميركا وإسرائيل إيران، وجوابنا نحن مُسْتَهْدَفون بالعدوان المحتمل، ومصممون على الدفاع وسنختار في وقتها كيف نتصرف تدخلاً أو عدم تدخل، ولكن لسنا على الحياد (...) والحرب على إيران هذه المرة قد تشعل المنطقة»، وتحذيره من أن «اغتيال السيد خامنئي هو اغتيال للاستقرار، ومسؤوليتُنا وواجبُنا التصدي لهذا التهديد، ومعنيون بأن نقوم بكل الاستعدادات لمواجهته، ولدينا كل الصلاحية لنفعل ما نراه مناسباً».

وفيما كان كلامُ قاسم يَرفع منسوبَ الخشيةِ في لبنان من اقتيادِ البلاد مجدّداً إلى «حربِ إسنادٍ» إذا هَبَّتْ «عاصفةُ النار» على المنطقة، وخصوصاً أن واشنطن وتل أبيب لن تتراجعا عن هَدَفِ تفكيكِ كاملِ البنية العسكرية لـ «حزب الله» سواء بضربة كبيرة و«أخيرة» في حال قدّم الأخيرَ «الذريعة» أولاً أو بتصعيدٍ منضبطٍ ومضبوط على إيقاعِ مسار سَحْبِ سلاح الحزب، فإنّ لقاء السفيرين عيسى وهاكبي في عمان جاء مُحَمَّلاً بإشاراتٍ فائقةِ الأهميةِ في التوقيت والمضمون.

فهذا اللقاء الذي كرّس - بحسب منشور السفارة الأميركية - لبنان كحلقة محورية في ما يُرسم للمنطقة، وتالياً عَكَس استحالة تَصَوُّر أن تسلّم واشنطن بأن يبقى، عبر حزب الله، حجر العثرة أمام «منطقة أكثر استقراراً وسِلْماً»، أتى على وَقْعِ محاولة «بلاد الأرز» إبقاء لجنةِ الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف النار (27 نوفمبر 2024) على قيد الحياة، وتَفادي مساعي الولايات المتحدة واسرائيل لاستيلاد مَسارٍ بديل أو مُوازٍ يكون ثلاثياً أي يضمّ لبنان ايضاً وبتمثيلٍ سياسي بمستوى وزير.

وإذ كانت مؤشراتٌ تتحدّث عن اجتماعٍ لـ «الميكانيزم» في 25 فبراير من دون الجزم هل ستلتئم بعد طول انقطاع (منذ 19 ديسمبر) بجناحيْها العسكري والدبلو - مدني، وعن أن الرئيس جوزف عون يحاول احتواء الضغوط لارتقاءٍ جديد بالمفاوضات الما فوق عسكرية عبر «ترقية» رئيس الوفد اللبناني إليها السفير السابق سيمون كرم الى رتبة «موفد رئاسي» حفاظاً على هذا الإطار التفاوضي، اعتُبر لقاء عيسى وهاكبي بمثابة محاولة معلنة لوضع «خريطة طريق» لكل من بيروت وتل ابيب «نحو سلام مستدام وفعّال عبر الدبلوماسية والحوار» كما جاء في البيان عن الاجتماع في السفارة الأميركية في عمان.

ورأتْ أوساط سياسية أنّ لقاء عَمان وما كُشف عنه يَعني في جانبٍ منه أن «الميكانيزم» أقلّه في شقّها المدني لم تَعُد الإطارَ الذي تراه واشنطن مُناسِباً لتحقيق الأهداف السياسية «التالية» للحرب ولتفكيك ترسانة «حزب الله» العسكرية، وسط رَصْدٍ لكيفية ترجمة مَضامين اجتماع عيسى وهاكبي والذي ثبّت في أحد وجوهه أيضاً الدور فوق العادي لسفير الولايات المتحدة في بيروت.

وفي حين كان رئيس الحكومة نواف سلام العائد من باريس والذي التقى السفير كرم قبل أن يزور عون ويطلعه على أجواء لقائه مع الرئيس إيمانويل ماكرون، يعلن أن لبنان لم يتبلّغ رغبة أميركية في إنهاء «الميكانيزم» وأنه ليس في صدد مواجهة مع الولايات المتحدة في هذا الموضوع، برز ما نقلته قناة «الحدث» عن كرم من «أننا طرحنا عودة الجنوبيين كأساس لموقفنا من المفاوضات، ونحن نتمسك بآلية لجنة وقف النار ونطالب باجتماعها قريبا»، موضحاً أن «الجيش اللبناني وحده يفكك بنية حزب الله العسكرية»، ولافتاً الى أن «الحزب لم يعط أي معلومة عن أسلحته ومنشآته للجيش».