في السنوات الأخيرة، شهدت منصات التواصل الاجتماعي حضوراً لافتاً لبعض المحامين، حيث بات البعض منهم يعلنون عن كسبهم القضايا، أو التباهي بنتائج أحكام قضائية وكأنها إنجازات شخصية تُسوّق للجمهور. هذه الظاهرة أثارت جدلاً واسعاً وتساؤلات حول مدى مشروعيتها قانونياً، وانسجامها مع أخلاقيات مهنة المحاماة، ودور الجمعيات المهنية في هذا الصدد.

المحاماة، في أصلها، ليست مهنة استعراض أو دعاية، بل رسالة تقوم على نصرة الحق والدفاع عن العدالة وحماية مصالح المتقاضين ضمن إطار من السرية والوقار، ولهذا وضعت التشريعات وقواعد السلوك المهني في مختلف الدول ضوابط واضحة، خاصة فيما يتعلق بالإعلان والتعامل مع وسائل الإعلام ومنصات التواصل.

من حيث المبدأ، لا يُمنع المحامي من الوجود في الفضاء الرقمي أو المشاركة في التوعية القانونية ونشر الثقافة الحقوقية بين الناس؛ بل إن هذا الدور يُعد إيجابياً ومطلوباً إذا التزم بالموضوعية والعمومية، إن الفارق كبير بين التوعية القانونية المشروعة، وبين الإعلان الدعائي القائم على التفاخر بكسب القضايا أو استعراض صور ومشاهد قد تمس سرية الخصوم أو هيبة القضاء.

التباهي بكسب القضايا يثير إشكاليات عدة؛ فهو قد يوحي للجمهور بأن الأحكام القضائية تُنسب إلى المحامي لا إلى اجتهاد القاضي وتطبيق القانون، كما قد يخلق انطباعاً بأن النتائج مضمونة، وهو أمر يتنافى مع طبيعة عمل المحاماة القائمة على بذل السبب دون ضمان النتائج، فضلاً عن ذلك، فإن نشر تفاصيل القضايا أو الإيحاء بهوية الأطراف قد يشكل انتهاكاً صريحاً لسرية الموكل، وهي من أقدس واجبات المحامي.

أما ما يتعلق بنشر الصور الشخصية أو الظهور الاستعراضي، سواء من محامين أو محاميات، فالمسألة لا تتصل بالنوع أو الجنس بقدر ما تتعلق بوقار المهنة. فالمحاماة لا تُقاس بالمظهر ولا بعدد المتابعين، بل بالكفاءة والنزاهة والالتزام الأخلاقي، وكل سلوك يحوّل المهنة إلى وسيلة شهرة أو تسويق شخصي مفرط، ربما يعرّض صورتها للاهتزاز في نظر المجتمع.

هنا يبرز دور جمعية المحامين الكويتية والجهات المنظمة للمهنة، التي تقع على عاتقها مسؤولية كبيرة في تحديث وتفعيل قواعد السلوك المهني بما يواكب العصر الرقمي، دون التفريط بثوابت المهنة، فوجود لوائح واضحة بشأن الإعلان عبر وسائل التواصل، وآليات للمساءلة والتأديب عند المخالفة، بات ضرورة لا خياراً.

إن الحفاظ على هيبة المحاماة ليس تقييداً للحريات، بل حماية للمجتمع والمتقاضين قبل أن يكون حماية للمهنة نفسها، ومنصات التواصل، على اتساعها وتأثيرها، ينبغي أن تكون أداة للمعرفة القانونية والوعي الحقوقي، لا منبراً للتفاخر أو المزايدة.

وفي المحصلة، يبقى التحدي الحقيقي أمام المحامي المعاصر هو تحقيق التوازن بين الحضور الإعلامي المشروع، والالتزام الصارم بأخلاقيات المهنة، حتى تظل المحاماة عنواناً للعدالة.