اتجاهات

«غرينلاند» في الحسابات الأميركية: الأمن القومي أم إعادة رسم النفوذ؟

تصغير
تكبير

أعادت التطورات الدولية الأخيرة جزيرة غرينلاند إلى قلب النقاش الجيوسياسي العالمي بعد أن تحولت من إقليم يتمتع بأهمية جغرافية محدودة إلى مساحة إستراتيجية تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى، هذا الاهتمام المتزايد لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي ولا عن التغيرات المناخية التي فتحت آفاقاً جديدة للملاحة والموارد في منطقة القطب الشمالي.

تنظر الولايات المتحدة إلى غرينلاند باعتبارها جزءاً من منظومة الأمن في شمال الأطلسي نظراً لموقعها بين القارتين الأوروبية والأميركية ولدورها في أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الجوي، ويأتي هذا الاهتمام في سياق إعادة تقييم التحديات الإستراتيجية المرتبطة بعودة التنافس بين القوى الكبرى خصوصاً مع تنامي النشاط العسكري في المناطق القطبية وازدياد أهمية الفضاء والردع الصاروخي في الحسابات الأمنية المعاصرة.

في المقابل، ترى أطراف أوروبية أن تصاعد الحضور الأميركي في الجزيرة يثير تساؤلات سياسية تتجاوز البعد الدفاعي، لا سيما في ظل ما تعتبره أوروبا توجهاً أميركياً متزايداً نحو إدارة الملفات الدولية بمنطق المصالح المباشرة أكثر من منطق التشاور داخل التحالفات التقليدية، ويعكس هذا التباين في الرؤى فجوة متنامية في تفسير طبيعة التهديدات وكيفية التعامل معها داخل المعسكر الغربي.

كما يرتبط الاهتمام الدولي بغرينلاند بما تمتلكه من موارد طبيعية واعدة، خاصة المعادن النادرة الضرورية للتحول الرقمي وصناعات الطاقة النظيفة، إضافة إلى الممرات البحرية الجديدة التي من المتوقع أن تعيد رسم خرائط التجارة العالمية، هذه العوامل حولت الجزيرة إلى مساحة تنافس اقتصادي وإستراتيجي وليس مجرد موقع عسكري متقدم.

في هذا السياق، تبدو غرينلاند نموذجاً واضحاً لعودة الجغرافيا السياسية إلى صدارة العلاقات الدولية حيث لم تعد التحركات الدولية محكومة بالاعتبارات الأمنية وحدها، بل باتت تتداخل فيها حسابات النفوذ والاقتصاد والتكنولوجيا. ويعكس الجدل الدائر حولها حالة السيولة التي يعيشها النظام الدولي وانتقاله من مرحلة الاستقرار النسبي إلى مرحلة التنافس المفتوح.

ولا يمكن فصل الاهتمام المتزايد بغرينلاند عن انعكاساته غير المباشرة على منطقة الشرق الأوسط، إذ يكشف هذا التحول عن إعادة ترتيب الأولويات الإستراتيجية للولايات المتحدة على المستوى العالمي، فمع انتقال جزء متزايد من التركيز الأميركي نحو القطب الشمالي ومناطق التنافس مع القوى الكبرى يلاحظ أن الشرق الأوسط لم يعد يحتل الموقع ذاته في سلم الاهتمامات التقليدية بل بات يدار ضمن منطق الاحتواء وإدارة الأزمات بدلاً من الانخراط المباشر، هذا التحول يفرض على دول المنطقة واقعاً إستراتيجياً جديداً يتسم بتراجع الضمانات الأمنية المطلقة وازدياد الاعتماد على الشراكات المتعددة وتنامي أدوار الفواعل الدولية الأخرى وبذلك، فإن ما يجري في غرينلاند لا يمثل قضية جغرافية بعيدة بل يعكس إعادة توزيع للثقل الأميركي سيكون له آثار مباشرة على توازنات الشرق الأوسط ومسارات أمنه الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.

وعليه، فإن السؤال حول ما إذا كان الاهتمام الأميركي بغرينلاند نابعاً من ضرورات الأمن القومي أم من السعي لإعادة رسم النفوذ لا يحمل إجابة أحادية بقدر ما يعكس تداخلاً معقداً بين الأمن والمصلحة والإستراتيجية. فغرينلاند لم تعد مجرد جزيرة في أقصى الشمال بل تحولت إلى مؤشر على شكل النظام الدولي المقبل وحدود التوازن بين القوة والتعاون في عالم يتجه بسرعة نحو إعادة إستراتيجية توازن القوى.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي