لأخلاق مهنة الطب جمال يعلمه كل الأطباء، ومع الزمن تسري تلك الأخلاق في دمائهم حتى تصبح جزءاً من حياتهم، وبالطبع ليس كل الأطباء يتشبعون بتلك الأخلاق كجزء من قيمهم، وتحدث أحياناً أن يفقد أحلم الأطباء قدسية القيم الطبية لظروف بشرية تمر بكل إنسان، لكن تبقى أخلاق المهن الطبية نبراساً هادياً لكل الأطباء.
وتعتبر قيم الرحمة والوفاء في هذه المهنة خصوصية قد تعلو عن بقية المهن، والسبب أن هذه المهنة تتعامل مع أعظم خلق الله، الإنسان بكل جوانبه، جسده، نفسه، عقله وروحه، لذا شعرت بالحزن حين خاطبني مسؤول في وزارة الصحة بكلمات تملؤها المرارة والألم، كان يشتكي من تصرفات قلّة من الأطباء الذين نسوا القيم الأخلاقية الراقية لمهنة الطب، وأصبحوا منشغلين بتحقير زملائهم وأحياناً أساتذتهم والطعن بهم وعدم احترامهم والوفاء لهم، كما أن البعض منهم أصبح ينظر للمريض كسلعة يعامله وفق الاستفادة منه والحمد لله أن مثل هؤلاء قلّة قليلة لدينا في الكويت.
عندما يخسر الطبيب قيمه الأخلاقية فهو في حقيقة الأمر يخسر مهنته ويخسر نفسه، ما هي فائدة طبيب إذا لم يعد طبيباً إنساناً، إنها خسارة عظيمة لا نتمناها لأحد من أطبائنا.
لقد نظمت مهنة الطب نفسها، أصدرت معايير محلية وإقليمية وعالمية، تهدف كلها إلى توعية الطبيب بالأخلاق الطبية، شرحت العلاقة بين الطبيب والمريض وبين الطبيب والمجتمع وبين الطبيب وزملاء المهنة، ما على أبنائنا وإخواننا وأخواتنا الأطباء إلا أن يقضوا بعض الوقت لدراسة تلك القيم الراقية لعلهم يشعرون بأهمية ما في أيديهم من علم رفيع يستحق أن يحافظوا عليه.
تنص المادة 116 من ميثاق شرف المهنة لاتحاد الأطباء العرب: (على الأطباء تجنب الخلافات بينهم ومراعاة النزاهة وصفاء العلاقات وحسن الزمالة واحترام الأكبر سناً والأغزر علماً) وتنص المادة 119: (الخلافات العلمية لا ينبغي أن تتحول إلى ضغائن شخصية بين الزملاء).
لا شك أن الانحراف عن القيم لا تخلو منه مهنة ولا تستطيع أي مؤسسة أن تتخلص منه تماماً، وهذا الانحراف الشخصي مرتبط بأخلاق الناس التي لم يوحدها شيء على الفضيلة، ولا شك أيضاً أن كل أطباء الكويت، إلا قليلاً، هم من المخلصين الذين يحملون على عاتقهم مصلحة المريض، يَقدمون إلى عملهم والشمس يكاد نورها لا يبدو من الأفق البعيد، تراهم منشغلين عن أسرهم وأصحابهم يأتون صباحاً باكرين يطبّبون ويخففون عن المرضى آلامهم، كما تراهم يبحثون ويتعلمون، يناقشون ويتدارسون خشية أن يُقصّروا في حق مريضهم، ثم يعودون إلى منازلهم وقد غدت الشوارع خالية من زحامها، ينتظرون مكالمة تبشّرهم بشفاء مريض أو تحزنهم بفقد آخر، وهم على حالهم تلك منذ أن أقسموا أن يراعو الله في ذلك الإنسان الذي أتى إليهم طالباً العلاج وآملاً بشفاء دائم يهبه الله على أيديهم.
لكننا، مع ذلك كله، نشارك ذلك المسؤول الإصلاحي الذي يسمع كل يوم من أولئك القلّة عجباً وهم ينحرون أمامه قدسية الزمالة ويهاجمون بعضهم البعض بأسلوب بعيد عن روح التناصح والإصلاح، هدفهم الطعن والتشهير دون مراعاة لقسَم الطبيب.
أتمنى على وزارة الصحة أن تُشكّل أو تُفعّل، إن وجدت، لجنة أخلاق المهن الطبية، تقوم تلك اللجنة بتعليم أخلاقيات المهن الطبية بتعليم مستمر لا ينقطع حتى يتم تأصيل أخلاق الأطباء في نفوس بعض الأطباء لعلنا نعود لأيامنا القديمة حيث يتعاون كل الأطباء بروح المحبة لإحياء النفس التي أمرنا الله أن نحييها.