اعتاد معظم الناس على تسمية الأشخاص الذين يُكثرون من الأسفار بين فترة وأخرى بلقب «ابن بطوطة»، ولكن هل سألت نفسك يوماً مَنْ هو ابن بطوطة، وما هي جنسيته، ولماذا سُمي بهذا الاسم، ولماذا كان كثير الأسفار ويغيب عن بلده طويلاً، وما هي البلدان التي كان يسافر إليها، ومتى وُلد ابن بطوطة؟!
كلها أسئلة طرأت على بالي وتحتاج إلى إجابة ولكن دعونا نتناول سيرته الذاتية، وقصة حياته الحقيقية بعيداً عن الخيال؟
إن الاسم الحقيقي للرحّالة ابن بطوطة هو أبوعبدالله محمد بن عبدالله بن محمد اللواتي الطنجي، وهو عالم مسلم شهير وُلد في طنجة - المغرب في البلدة الساحلية في تاريخ 24 فبراير عام 1304، فكان ابن أسرة مغربية متعلمة تهتم بالعلوم الشرعية والعمل في سلك القضاء، ويُعرف ابن بطوطة بلقب «أمير الرحالة المسلمين» نسبة لرحلاته الواسعة والمتنوعة التي غطت معظم دول العالم الإسلامي القديم، أما بالنسبة لاسمه فتختلف الأقاويل عن لقبه، فالبعض يقول إنه لم يحمل أي شخص في عائلته اسم «بطوطة» وإنما أخذ اللقب من والدته التي كان اسمها الأصلي «فطومة» وتم تغييره ليصبح «بطوطة»، وبالتالي ظل ملقباً بهذا الاسم طوال حياته، ويقول آخرون إن لقبه يرجع إلى أنه جزء من اسم عائلته، فاسمه الكامل كان «أبوعبدالله محمد بن عبدالله بن محمد بن يوسف اللواتي الطنجي بن بطوطة بن حميد الغازي بن القريش العلي».
ولد ابن بطوطة في عصر لم يعرف بوسائل النقل القديم أو الحديث، وبالرغم من غياب وسائل النقل إلا أنه لم يستسلم للقدر، بل ظل مجاهداً صامداً قوياً في عزيمته على قطع مسافات طويلة في رحلته لم يقطعها شخص من قبله بل استمر حتى 45 عاماً من بعده، وهي مسافة تُقدّر بـ 121 ألف كيلو متر، طاف من خلالها مئات المدن في العالم، ليصبح ابن بطوطة هو المرجع الأساسي المهم لمرحلة تاريخية واسعة.
كما كان الرحالة ابن بطوطة شخصاً ملماً بالشعر العربي ويحب القصائد، فكان الشعر جانباً مهماً في حياته وسبباً رئيسياً لاستكمال رحلاته، محباً للغات العالم ويُحسن اللغتين التركية والفارسية حيث يمدح بشعره الملوك والرؤساء والسلاطين، ومن خلال إتقانه للشعر يتقرّب إليهم ويستعين بهباتهم وعطاياهم المادية لاستكمال طريق رحلاته.
إذاً، ما هي أولى رحلاته؟!
لقد كانت الجزائر هي محطته الأولى ثم وصل إلى تونس ومصر والسودان وفلسطين وسوريا ومنها إلى مكة المكرمة، ثم سار إلى العراق وفارس واليمن وعمان والبحرين وتركستان وما وراء النهر، وأكمل سيره إلى بلد الهند والصين وبلاد التتار... إلخ.
وبالتالي أصبحت قصة ابن بطوطة هي ملحمة تاريخية مع أعظم رحّالة مسلم بدأ قصته برحلة إلى بيت الله الحرام بنية الحج، فعبر من خلالها دول العالم الإسلامي والمناطق المجاورة في مدة استغرقت أكثر من 29 عاماً، وشهد فيها الغرائب والعجائب من البلدان وهو في عمر الشباب أي لا يتجاوز الـ 22 عاماً حينما غادر وطنه بمدينة طنجة - المغرب، ولم يعد إليها إلا بعد عقود من الزمن، حيث أمضى ابن بطوطة فترة طويلة قضاها بين ثقافات وعادات البلدان العربية كافة، مروراً بالشمال الأفريقي والمشرق العربي وشرق أفريقيا، وفي بعض البلدان عمل قاضياً وعمل سفيراً وتزوج أثناء رحلاته مرات عدة حتى وصل سومطرة (اندونيسيا)، والصين شاهد من خلالها أنواعاً من الثقافات المختلفة والأديان المتعددة، ورحل إلى الأناضول (تركيا) ثم جزر المالديف والبحر الأسود، ثم زار الأندلس وتحديداً مدينة مالقا ووصفها بالبلدة الجميلة نظراً لمعمارها الفريد، حيث شاهد آثارها القديمة وأهم معالمها الساحرة.
لقد كان ابن بطوطة يتأقلم مع ثقافات البلدان سريعاً حيث يمتلك مهارة التكيف مع أوضاعهم رغم اختلاف عاداتهم، فهو بالتأكيد لم يكن مجرد سائح أو زائر.
بل كان يعمل ويجتهد حتى حصل على وظائف مرموقة في أماكن عديدة، وبسبب علاقته الواسعة كان على اتصال دائم مع الكثير من الملوك والأمراء حيث كان يحرص على إلقاء الأشعار والمديح لهم حتى أحبوه وساعدوه في أسفاره.
لقد واجه ابن بطوطة الكثير من الأزمات والأخطار فنال من هجمات القراصنة، وتحمل موجة العواصف القوية، ومر بأزمات سياسية ولكنه ظل صامداً مناضلاً من أجل الاستمرار والبقاء وسط الظروف القاسية التي شهدها وقت التنقل.
لقد ظل كتاب ابن بطوطة محفوراً في قلوبنا ووجداننا على امتداد العصور حتى أصبح مرجعاً مهماً في تاريخنا وعلومنا وجغرافيتنا.
وفي ختام رحلاته المكوكية الطويلة اضطر للعودة إلى وطنه المغرب وهو في عز شيخوخته، فاختار القضاء بسبب عشقه لهذا الصرح العادل، وظل فيه حتى وافته المنية في عام 1377 م (779 هـ).
وفي وفاته ترك بصمة لا تُنسى، حيث ترك إرثاً ثقافياً هائلاً تتحدث عنه الشعوب، ومن أعماله الخالدة كتابه «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» ويحكي عن أشهر رحلاته بين البلدان التي زارها وشاهد أهلها وحكامها وعلمها بعد أن أمضى 30 عاماً من البحث المستمر في رحلاته بين بلدان العالم، وقد تُرجم كتابه إلى لغات عالمية عدة من بينها الفرنسية والإنكليزية والألمانية والبرتغالية.
إذا أين يقع ضريحه اليوم؟!
يوجد ضريحه في مسقط رأسه بالمدينة القديمة في طنجة، وهي قلب تاريخي نابض بالأسوار والأسواق الضيقة والأزقة الساحرة حيث تضم معالم كثيرة وتاريخية. وما يلفت الأنظار أن جامعة بريطانية مرموقة مثل كامبريدج تلقب الرحّالة ابن بطوطة في كتبها وأطالسها بــ«أمير الرحّالة المسلمين» نسبة لرحلاته الاستثنائية التي غطت العالم الإسلامي وما وراءه لثلاثة عقود بحيث ضرب الأرقام القياسية في الأسفار موثقاً من خلالها أجمل ثقافات وحضارات الشرق والغرب معاً.
ولكل حادث حديث،،،