وسط متطلبات الحياة، يواصل بعض الأشخاص مسيرتهم بالعطاء دون انتظار مقابل، فيقدمون لغيرهم ما يستطيعون، إيماناً منهم بأن الحياة الإنسانية لا تسير إلا بالمشاركة، بينما يسلك آخرون طريقاً مختلفاً، طريق الأنانية، وهم من يرفعون شعار: «أنا ومن بعدي الطوفان».
فالأنانية صفة الشخص الذي يركز على ذاته، ويتجاهل احتياجات ومشاعر من حوله، ويضع مصلحته الشخصية فوق كل اعتبار، يتصرف وكأن العالم خُلق من أجله وحده.
الأناني يشبه من يقود سيارته بسرعة متهورة في طريق مزدحم بلا ضرورة، غير مهتم بالخطر الذي قد يصيب غيره. كل ما يشغله هو الوصول أسرع، حتى لو تسبب تهوره في إرباك الطريق، أو تخويف المارة، أو وقوع حادث يؤذي غيره. يسير وكأنه الوحيد على الطريق، وأما حياة الآخرين فلا وزن لها.
تتشكل الأنانية نتيجة عوامل متعددة، من أبرزها العوامل الأسرية مثل الدلال المفرط، أو التمييز بين الأبناء، أو مشاهدة أحد الوالدين يمارس سلوكاً أنانياً.
كما تلعب العوامل النفسية دوراً مهماً، كالشعور بالخوف من الفقد أو الحرمان، والشعور بالنقص الداخلي، إضافة إلى التجارب القاسية التي تؤثر على صفات الفرد.
وتترك الأنانية آثاراً سلبية واضحة على الفرد، إذ تؤدي إلى ضعف علاقاته الاجتماعية وانعزاله عن محيطه، إذ يتجنب الآخرون التعامل معه بسبب تركيزه المفرط على نفسه وسَعيه المستمر للتحكم ورفض تقدير جهود الآخرين.
كما تُضعف الأنانية العلاقات الأسرية والصداقات لغياب التعاطف والتفاهم، وتضع الفرد تحت ضغط نفسي دائم ناتج عن خوفه المبالغ فيه على مصالحه الشخصية، كما أنها تحرمه من فرص التعلم والنمو؛ لأنه لا ينفتح على آراء الآخرين ولا يستفيد من خبراتهم.
وللأنانية تأثير كبير على مستوى المجتمع، فإنها تُسهم في تفكك الروابط الاجتماعية، وتراجع روح التعاون والتكافل، مما يؤدي إلى انتشار الخلافات والنزاعات، ويُضعف القيم الأخلاقية مثل الإيثار والعدل والرحمة.
وعند التعامل مع شخص أناني، من الضروري الحفاظ على الهدوء، وتجنب الجدال، ووضع حدود واضحة في الكلام، وأساليب تقلل من الأذى النفسي، فالتعامل بلطف أو الاستماع يهدفان إلى تسهيل التواصل والحفاظ على التوازن الداخلي.
ختاماً، قد تبدو الأنانية للبعض وسيلة لحماية الذات أو تحقيق المصالح الشخصية، بينما هي عبء يقيّد الإنسان ويحرمه من التواصل الإنساني الحقيقي.
والحقيقة التي يجب أن نعلمها أن العطاء والمشاركة لا يُنقصان من قيمة الإنسان، بل يمنحانه معنى أعمق للحياة، ويصنعان مجتمعاً أكثر تماسكاً وإنسانية، بعيداً عن شعار: «أنا ومن بعدي الطوفان».
aaalsenan @