من أكثر القضايا الأميركية إثارة للانقسام في الساحة السياسية، قضية خطر الإجهاض، حيث نزعت المحكمة العليا أخيراً الصفة الدستورية عن حق الإجهاض في كل الولايات، وتم حظره رسمياً بعد 15 أسبوعاً من الحَمل... وبذلك أبطلت حكماً صدر عام 1973 يتيح للمرأة الإجهاض ويقننه على مستوى البلاد.

فمنذ صدور حكم عام 73 صارت القضية واحدة من أوضح الخطوط الفاصلة في السياسة الأميركية مع الدعم اللامحدود من جانب الحزب الديموقراطي للإجهاض، واصطفاف الحزب الجمهوري في معارضته، حتى أصبحت الخطوط أكثر ضبابية منذ عام 1973، إذ كان من المرجح وجود جمهوريين وديموقراطيين يتفقون على ضرورة أن يكون الإجهاض مشروعاً.

لكن بعد هذا الحكم التاريخي المزلزل، حظرت على الفور معظم الولايات الجمهورية عمليات إنهاء الحمل على أراضيها، وهي خطوة تدل بوضوح على التحدي، في حين استعدت معظم الولايات الديموقراطية، للقيام بتسهيل عمليات الإجهاض على النساء، مثل كاليفورنيا ونيويورك، بينما في ولايات جورجيا وميزوري وساوث داكوتا الجمهورية، فقد أغلقت العيادات أبوابها، التزاماً بقرار المحكمة العليا، وتلتها ولايات لويزيانا وألاباما وكنتاكي في اليوم نفسه، التي أكدت أن كل عمليات الإجهاض التي جرت «غير قانونية»، وبالتالي رأت المحكمة الحق بنزع صفة الحق الدستوري عن الإجهاض واعتباره ممنوعاً.

وفي ولاية مسيسيبي، بات في حكم المؤكد تطبيق القرار، لأن لديها الكثير من القوانين الجاهزة.

شرارة قرار المحكمة العليا قلبت الطاولة على المعارضين وأشعلت ثورة حق المرأة الأميركية في الإجهاض التي ناضلت من أجلها منذ 1973، غير أن بعض القضاة التقدميين القلة، اعترضوا على الحكم واعتبروه تعدياً على حقوق الخصوصية، ويعرّض قانون منع الحمل وقانون زواج المثليين للخطر مستقبلاً.

كما وصف الرئيس الديموقراطي جو بايدن، الحكم بأنه «خطأ مأسوي» ونابع من أيديولوجية متطرفة خطيرة، كونه يعرّض صحة النساء للخطر، كما يعيد البلاد الى الوراء 150 عاماً!

ودعا بايدن، الشعب الأميركي الى الدفاع عن حقوقه المسلوبة، قائلاً إن حكم المحكمة جعل بلاده، حزينة، لذا حضّ الكونغرس على سن قانون فيديرالي جديد يحمي قضية الإجهاض.

كما حض الرئيس السابق باراك أوباما النشطاء والسياسيين وأصحاب الرأي، لاتخاذ إجراءات مناهضة للحكم عن طريق الاحتجاج.

ووصفت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليه، حكم المحكمة العليا، بأنه «انتكاسة كبيرة».

في المقابل، ترى جماعة اليمين الديني أن الحكم جاء بعد انتظار دام 50 عاماً، واعتبرته انتصاراً لها، وتسعى الى إكمال المعركة حتى الوصول الى الحظر الكلي المطلوب على المستوى الفيديرالي.

لقد أبطلت المحكمة العليا، حكما تاريخياً كان يتيح للمرأة الإجهاض وحصل على غالبية مطلقة من القضاة، مؤكدة أن الحكم السابق كان خاطئاً لان الدستور الاميركي لا يأتي بالتحديد على ذكر حقوق الإجهاض، وبالتالي يستحق نزع صفة الحق الدستوري عن الإجهاض الذي أعاد للولايات الأميركية إمكانية حظره مرة أخرى، ليغير مجرى المشهد الأميركي في قضية الحقوق الانجابية جذرياً.

غير أن استطلاعات رأي أخرى أظهرت أن معظم الشعب الأميركي يؤيد وضع بعض القيود على الإجهاض لكنه يعارض حظره كلياً...

ولكل حادثٍ حديث...

alifairouz1961@outlook.com