لا يوجد مكان سوى للعقل والتعقل عندما يتعلّق الأمر بالعلاقات الفرنسية - الجزائرية بين بدء الاستعمار الفرنسي في 1830 واستقلال الجزائر في 1962.

إذا كان مطلوباً نبش التاريخ، في الإمكان تمضية سنوات وسنوات في نقاش لا طائل منه بدل التطلع إلى المستقبل في محاولة للاستفادة من تجارب الماضي وتجاوزها.

عاد موضوع العلاقات الفرنسيّة - الجزائرية إلى الواجهة مع تقديم المؤرخ بنيامين ستورا، وهو يهودي من أصل جزائري، تقريراً إلى الرئيس إيمانويل ماكرون، بناء على طلب الأخير.

من قراءة مقاطع في التقرير الذي وضعه ستورا، يتبيّن قبل كلّ شيء أنّه متوازن إلى حدّ كبير.

الرئيس الفرنسي نفسه كان قال في العام 2017 إن «الاستعمار جريمة في حقّ الإنسانية».

هذا يعني أن ماكرون أراد أن يكون منصفاً، وذلك برفضه تجاهل الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي طوال 132 عاماً.

في الواقع، أراد الرئيس الفرنسي، الذي يمتلك عقلية منفتحة، تجاوز كلّ عقد الماضي وفتح كلّ الدفاتر القديمة من دون عقد.

يشمل ذلك في طبيعة الحال الممارسات التي لجأ إليها الاستعمار، خصوصاً منذ العام 1954 عندما انطلقت الثورة الجزائرية في وقت كانت فرنسا مصمّمة على بقاء الجزائر أرضاً فرنسية.

أراد الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول طيّ صفحة الجزائر بعد الدور الأساسي والمحوري الذي لعبه في تصفية الاستعمار واستقلال الجزائر في العام 1962.

أقدم ديغول على خطوة في غاية الجرأة عندما أعلن عن تنظيم استفتاء من أجل تمكين الجزائريين من تقرير مستقبلهم.

انتصر بالقوّة على الجنرالات الفرنسيين المتمرّدين، من بينهم الجنرال سالان.

كان هدف هؤلاء بقاء الجزائر أرضاً فرنسية. كان هؤلاء الجنرالات الذين أسّسوا بعد ذلك «منظمة الجيش السرّي» الإرهابية، التي قامت بأكثر من محاولة لاغتيال ديغول، يسمّون الجزائر «الجزائر الفرنسيّة».

منذ ما بعد ديغول، أقدم كلّ رئيس فرنسي على خطوة في اتجاه الجزائر والتصالح معها.

لا يمكن تجاهل ما قام به الرئيس جاك شيراك ولا فرنسوا هولاند الذي سار خطوات إلى أمام في اتجاه الاعتذار من الجزائريين ولكن من دون لفظ كلمة اعتذار.

ذهب ماكرون إلى أبعد من الاعتذار عندما قال إن «الاستعمار جريمة في حقّ الإنسانية».

ما الذي تريده الجزائر وما الذي تسعى إليه؟ تريد حالياً اعتذاراً، وتريد في الوقت ذاته تعويضات فرنسية عن تجارب نووية وأخرى لأسلحة كيماوية أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية.

هناك مواطنون جزائريون تضرروا جراء هذه التجارب وتحوّلوا الى ضحايا، لكن ما لا يمكن تجاهله في الوقت ذاته أن هناك ما يثبت أن فرنسا استخدمت الصحراء الجزائرية في مرحلة ما بعد الاستقلال بموجب اتفاقات مع النظام الجزائري.

في مقال لصحيفة «لوموند» نشر أخيراً، لخّص رضا مالك، الذي تفاوض مع الفرنسيين كأحد ممثلي جبهة التحرير الوطني، في تصريح أدلى به في سياق برنامج وثائقي عنوانه «الجزائر، ديغول والقنبلة» الذهنية التي تحكّمت في الجانب الجزائري المفاوض. قال رضا مالك الذي كان يشارك في المفاوضات من أجل الاستقلال: «إذا كان لديهم (لدى الفرنسيين) ما يريدون تفجيره، فليفعلوا ذلك في أقرب وقت ولنتوقف عن الحديث في هذا الموضوع».

لم تغادر فرنسا الصحراء الجزائرية كلّياً بعد الاستقلال، حسب «لوموند»، وهي صحيفة جدّية وموثوق بها، في معظم الأحيان، بل تفاوضت مع نظام هواري بومدين كي تحتفظ حتّى العام 1978 بقاعدة في الصحراء من أجل القيام بتجارب على أسلحة كيماوية.

وهذا ما أكده الضابط الجزائري الكبير مصطفى بنيليس الذي ذكر في كتاب صدر في العام 2017 أن القاعدة الفرنسية في الصحراء الجزائرية بقيت حتّى العام 1986.

لا بدّ من امتلاك حدّ أدنى من الجرأة للاعتراف بأنّ الاستعمار الفرنسي للجزائر لم يكن كلّه سيئات. إذا كانت هناك مؤسسات جزائرية تؤكد وجود دولة، فهذه المؤسسات هي تلك التي أنشأها الاستعمار.

إنّها من بقايا الاستعمار.

لم ينشئ النظام الذي قام بعد الاستقلال سوى مؤسسات أمنية تمنع الجزائريين من التفكير بحرّية وتمنعهم قبل أي شيء آخر من طرح أسئلة حقيقية من نوع: أين ذهبت أموال النفط والغاز بالجزائر؟ ما فضل فرنسا على الجزائر في مجال زيادة مساحتها، على حساب دول جارة مثل المملكة المغربيّة أخذت منها أراضي هي جزء لا يتجزّأ من ترابها الوطني؟ نعم، ظلم الاستعمار الفرنسي الجزائر، لكن ذلك يجب ألا يحول دون التساؤل لماذا طموح كلّ جزائري الهجرة الى فرنسا؟ قبل أن يفرض النظام الجزائري شروطاً على فرنسا من أجل التصالح معها، من الأفضل أن يتصالح مع الجزائريين أنفسهم ومع جيرانه أوّلاً.

هل هناك رئيس جزائري يتجرّأ أن يطرح على نفسه سؤالاً من نوع لماذا الحدود مع المغرب مغلقة منذ العام 1994، ولماذا تستثمر الجزائر في جبهة «بوليساريو» التي تلعب دوراً سلبياً في مجال التعاون في مكافحة الإرهاب في منطقة ما يسمّى الشريط الصحراوي؟ مؤسف أن النظام الجزائري لا يفوّت فرصة من أجل الهروب إلى الأمام، وهو هروب من أزمته الداخليّة العميقة، إلا ويستغلّها.

يرفض هذا النظام الذي تسيطر عليه المؤسسة العسكرية الاعتراف بأنّ الاستثمار في الماضي لا فائدة منه.

ما يفيد هو الاستثمار في المستقبل وفي علاقات مختلفة مع دول الجوار ومع دولة مثل فرنسا ذهبت بعيداً في الاعتراف بجرائم ارتكبتها في الجزائر بعدما ظنت طويلاً أن الجزائر ستبقى «فرنسيّة».

حسناً، استطاعت الجزائر بفضل نضال طويل خاضه شعبها الحصول على الاستقلال. هذا لا يمنع أن جرائم ارتكبت في حقّ جزائريين آخرين وأجانب كانوا يقيمون في الجزائر في مرحلة حرب الاستقلال.

كذلك، ليس ما يمنع طرح سؤال من نوع هل استطاعت الجزائر المستقلّة أن تكون أفضل من «الجزائر الفرنسية»؟ ليس طبيعياً تعليق كل مشاكل الجزائر على شمّاعة الاستعمار.

الاستعمار ولّى إلى غير رجعة وفرنسا قدّمت أكثر من اعتذار غير مباشر.

هناك عقدة جزائرية اسمها إلقاء الفشل على الآخر يدل امتلاك شجاعة الاعتراف بأنّ النظام الذي قام منذ 1962 أخذ البلد من فشل إلى آخر وبدّد ثرواته...