كوني جميلة... ولكنك لست شابة!

خواطر صعلوك

إن كل لحظة في حياتنا هي عبور لمرة واحدة فحسب، وكل شيء حولنا أيضاً يعبر لمرة واحدة فحسب.
عندما أكون في السيارة مع ابنتي ذات التسع سنوات ننظر إلى الغيم المنتشر في السماء، فنحن في الواقع لا نرصد الظاهرة ذاتها، فما بين الخامسة والثلاثين وبين التاسعة من العمر تختلف الهيئة والمشهد والتأويل والمعنى... فبينما قد ترى هي في الغيوم وجهاً لشيء ما، قد أراه أنا إجابة عن سؤال ما قيد الانتظار، أما أبي فقد يرى في الغيوم ذكرى بالرضا والحنين وأفقاً يتسع الجميع، ولكن في النهاية هويتي وهوية ابنتي تتشكلان عبر التجاور في المعنى تحت ذات السماء ولكن بوعي مختلف.
لقد حدث لدينا في المجتمع الكويتي تحول كبير جعل أعداداً كبيرة من الكبار والأمهات والآباء يتحولون إلى فصائل «أصغر سناً» على مستوى الشكل عبر عمليات التجميل، وعلى مستوى السلوك عبر إهمال الدور الاجتماعي، وعلى مستوى العقلية ونمط الحياة عبر البحث عن إجابات أسئلة تناسب فترة المراهقة، أكثر من كونها أسئلة تناسب حالة النضوج والرشد، والأهم من كل ذلك هو حالة «الإشباب» والتشبب على مستوى الرغبات!
مجموعة من الكبار يريدون أن يظهروا على أنهم أصغر سناً على جميع المستويات، يريدون أن يبقوا في سن الشباب.
وأريد أن أتاكد من عدم وجود سوء فهم بيني وبينك عزيزي القارئ، ولذلك إذا كنت تتوقع أنني أتحدث عن الأب الشاب أو الأم الشابة، فهذا غير صحيح، ولكني أتحدث عن الكبار، وما أقصده بالكبار هنا هم من تعارف العرف الاجتماعي على تسميتهم «كباراً».
ما المستقبل الذي يخبئه لنا ظاهرة «الإشباب» والتشبب على مستوى التواصل بين الأجيال؟
وإذا كنا في فترة من الزمن نعاني من ما يسمى بـ«فجوة التواصل» بين الأجيال، فهل سنعاني في المستقبل من ضغط الوعي الاجتماعي، وتقزيمه في نقطة واحدة بحيث يصبح الكبار والشباب بوعي واحد؟
وإذا كان الكبار يرفضون الصعود على سلم النضج، من أجل مساعدة أبنائهم الشباب والأطفال للصعود معهم... كيف سيكون مستقبل مثل هذا؟
هناك فرق كبير بين أن نبدأ من وعي أبنائنا لنأخذهم إلى وعينا وتجاربنا، ثم نترك لهم حرية الاختيار بعد ذلك، وبين أن ننزل بوعينا وعمرنا وشكلنا وسلوكنا ونمط حياتنا إلى حياة تشبه حياتهم، من أجل أن نزاحمهم في ثقافة الشباب.
وثقافة الشباب هي طريقة حياة الشباب في المجتمع، والتي عادة ما يتم تحديدها من خلال مواد عينيه يستخدمونها ومنتجات يتم استهلاكها وأفكار ومعتقدات يصرحون بها.
يحذرنا روبرت هاريسون أستاذ الأدب الإيطالي في جامعة ستانفورد في كتابه «الشباب: العمر من منظور التاريخ الثقافي» من أن ظاهرة التشبب التي استفحلت قد تجعل الشخص المسن ليس لديه أي فكرة عما يعنيه أن تكون طفلاً يافعاً أو بالغاً شاباً، ويتضح ذلك من عدم القدرة على تقديم أي نصح للشباب عندما يتعلق بوضعهم على سلم النضج ودفعهم إلى الانخراط في نطاق الحياة العامة، الذي على عاتق الشباب «الحقيقيين» ستقع مسؤولية إعماره وتسييره في نهاية المطاف، أو تحمل عواقبه إذا ما فشلوا في ذلك.
سنجد أن المجتمع المهووس بالشباب يشن حرباً على الشباب أنفسهم، وهو يزاحمهم كراسيهم وثقافتهم ويخنق تشكل هويتهم الشبابية، عبر رغبته في التشبب وعيش نمط حياة يشبه نمطهم.
عزيزي القارئ هناك روافد ومغذيات عدة لتشكيل الهوية الشبابية، والتي قد تكون منها السياسات والقوانين والتشريعات ومنظومة الدعم والفرص والخدمات التي تقدم لهم، بالإضافة إلى الصورة الإعلامية وتوقعات المجتمع من الشباب.
ولكن ربما يكون الأهم من ذلك هو أن الهوية الشبابية تتشكل في أحد روافدها من وجود الآخر... الآخر الأكبر منه المتزن والآخر الأصغر منه الحائر، هوية تتشكل كحالة قوة بين ضعفين، وحالة سؤال بين إجابتين، وحالة تشكل صورة بين صورتين، وحالة ظهيرة بين شروق وغروب.
فإذا ما قرر الجميع أن يعيش حالة «الظهيرة»، فعندها يفقد المجتمع قيم مهمة مثل الرعاية والعناية وينغمس في مجمله في مسار آخر يؤدي بنا جميعا إلى جدار كتب عليه، «الهروب من الحقيقة»!
منقوش على جدار:
إذا لم يكن اللمعان داخلياً... فليس كل ما يلمع ذهب.

@moh1alatwan

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا